أعلنت الأكاديمية السويدية أول أمس الخميس، عن فوز الروائي عبد الرزاق جرنة بجائزة نوبل للآداب، وذلك نظرًا إلى «سرده المتعاطف الذي يخلو من أي مساومة لآثار الاستعمار ومصير اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات»؛ ليصبح جرنة بذلك أول أفريقي أسود يفوز بالجائزة منذ فوز النيجيري وولي سوينكا عام 1986.

وجرنة من مواليد جزيرة زنجبار التابعة لتنزانيا، لكنه فر منها عام 1968 عندما كان المسلمون هناك يتعرضون للاضطهاد؛ إذ إنه أتٍ من خلفية عانت بالفعل من آثار الاستعمار والاضطهاد؛ الأمر الذي يسلط الضوء على تلك الجزيرة وذلك البلد الواقع في شرق أفريقيا، ويدعونا للبحث في تاريخه وأحداثه المثيرة. 

تتمتع تنزانيا حاليًا بالاستقرار، مع أنها تحتوي على خليط متنوع من الأعراق والأديان؛ حيث يعيش فيها أكثر من 100 قبيلة، وينتشر فيها الإسلام والمسيحية وغيرها من الأديان المحلية. ومع ذلك، استطاعت البلاد أن تجعل هذا التنوع مصدر ثراء وقوة لا تصادم وتشاحن، ونأت بنفسها عن الاستقطابات المحلية والدولية؛ لتصبح نموذجًا أفريقيًا للتناغم والتلاحم. ولكن هذا التلاحم يخفي وراءه تاريخًا طويلًا من الاستعمار والنزاعات الدولية والمحلية.

في السطور التالية، نتجول في فصول التاريخ التنزاني المتشعب، ونتعرف على بعض سماته المتشابكة منذ دخول العرب والمسلمين، ثم غزو البرتغاليين، ومن بعدهم الألمان والإنجليز، وما صاحب ذلك من فتن وصراعات، وحتى نالت تنزانيا استقلالها باتحاد كل من جزيرة زنجبار وولاية تانجانيكا، وتكون بعد ذلك نموذجًا فريدًا في الحكم المتناوب بين المسلمين والمسيحيين. 

1. بوابة دخول الإسلام إلى الشرق الأفريقي

في البداية، كان السكان الأصليون في تنزانيا من «السود»، ثم قدم إليهم عدد كبير من قبيلة «البانتو» من الشمال الأفريقي، وأصبحوا يؤلفون القسم الأعظم من السكان. ولاحقًا، جاءتهم موجة عربية من الشمال والشرق توغلت إلى قلب أفريقيا، وأقامت لها مراكز تجارية في المنطقة.

دخل الإسلام تنزانيا مع هذه الموجة العربية، وبسط المسلمون سيادتهم على المنطقة، ونقلوا إليها الحضارة الإسلامية واللغة العربية. ويُرجع بعض المؤرخين دخول الإسلام هناك إلى عام 65 هـ، مع الجماعات التي فرت من بطش الحجّاج بن يوسف الثقفي، وكان لهذه الهجرات دور كبير في نشر الإسلام في منطقة الساحل الشرقي الأفريقي. فيما يعتقد آخرون أن دخول الإسلام تنزانيا سبق ذلك؛ نتيجة الرحلات التجارية التي مرت عبرها إلى الصين والهند.

تأسست إمارات إسلامية على الساحل الأفريقي إلى الجنوب مثل إمارة «كلوا» الإسلامية، واستقر العرب المهاجرون هناك بفعل التجارة أو بسبب الاضطرابات السياسية التي سادت المنطقة العربية في تلك الفترة. وظهرت أول دولة عربية عمانية في زنجبار في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، وذلك حين هاجر إليها سليمان بن سليمان ابن مظفر النبهاني، الذي كان ملكًا على عمان؛ ليعيد تأسيس المُلك النبهاني هناك.

ولذلك؛ نجد اليوم زنجباريون يتكلمون العربية بلكنة عمانية أو يمينة، ولدى كثير منهم أقارب في عمان واليمن. وتعد تنزانيا البوابة الرئيسية لدخول الإسلام إلى دول الجِوار في شرق أفريقيا ووسطها؛ بسبب تأثير ثقافتها القوية في المنطقة؛ فنجد أن كل دولة مجاورة لها تشترك معها في حدود مشتركة؛ يغلب فيها المسلمون مثل سكان شمال موزمبيق، وشرق الكونغو الديمقراطية، وسكان مدينة مومباسا الكينية.

2. عانت من بطش البرتغاليين وازدهرت خلال الحكم العربي

في عام 1503 تعرضت جزيرة زنجبار لهجوم البرتغاليين، وصارت تابعة للحكم البرتغالي لمدة ربع قرن تقريبًا. واستولى البرتغاليون أيضًا على مدينة كيلوا عام 1505، وأقاموا مراكز لهم على سواحل أفريقيا الشرقية. ودخلوا في حروب مع المماليك انتصروا فيها عليهم ودمروا السفن التي أرسلها المماليك ومن بينها الأسطول المصري في معركة ديو البحرية عام 1509.

وأعمل البرتغاليون في البلاد فسادًا فقتلوا سكانها، وأحرقوا المدن وخربوها، ووصل بهم الأمر أن قبضوا على سفينة تنقل حجاجًا من الهند؛ فنكلوا بهم وأعدموهم على ظهر السفينة، كما يروي الباحث المصري محمود شاكر في كتابه «تنزانيا». ونجح البرتغاليون في بسط سيطرتهم على معظم سواحل شرق أفريقيا، حتى طردهم العرب العمانيون من زنجبار، وبدأت المدن تستعيد قوتها ومجدها. واستمر الحكم العربي لزنجبار حتى عام 1964، وبعدها أطاحت الثورة آخر حاكم عماني لها السلطان جمشيد بن سعيد.

وقد وقعت زنجبار تحت حكم سلطة عُمان رسميًّا في 1689م، وشهدت هذه الفترة انتعاشًا تجاريًا بين الهند وأفريقيا وزنجبار، حتى صارت زنجبار تُعرف بـ«بستان أفريقيا»، حيث كانت تُصدّر القرنفل والثوم والعاج، وكانت أيضًا مركزًا حيويًا لتجارة الرقيق، الذي كانت تستقبلهم موانئها من أنحاء أفريقيا ثم تُصدرهم إلى أوروبا وأمريكا، وتنافست في هذه التجارة عديد من الدول الأوروبية.

3. كانت مطمعًا للاستعمار الأوروبي وضحية لجرائمه الدموية

لم تسلم تنزانيا من مطامع وغزوات الاستعمار الأوروبي، ففي عام 1884 شرعت جمعية الاستعمار الألمانية في الاستحواذ على الأراضي التنزانية، مبشرةً بعهد من السيطرة الألمانية عليها. وفيما كان الصراع الأوروبي على أشده في شرق أفريقيا، طالبت ألمانيا بنصيبها من الاستعمار، ومكانها اللائق لها تحت الشمس حسب تعبير الساسة الألمان حينها.

وفي عام 1888، اتفقت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا على تقاسم مناطق النفوذ، فأخذت فرنسا منطقة جيبوتي، وأخذت ألمانيا طنجانيقا (الجزء الأكبر من تنزانيا الحالية)، وأخذت إيطاليا الشمال الصومالي، في حين أخذت بريطانيا جزر زنجبار وبمبا ومافيا التنزانية لتصبح محميات إنجليزية. 

وما أن خضعت طانجنيقا للاستعمار الألماني حتى ثار سكانها بمن فيهم من العرب ضد المستعمر الدخيل، لكن الألمان تمكنوا من القضاء على ثورتهم عام 1889 بفضل تفوق السلاح والإمكانات الحربية. وتأسست الشركة الألمانية لشرق أفريقيا، وأخذت الحكومة الألمانية تتدخل مباشرة لحماية مصالحها هناك. وشرعت في الاستيلاء على كثير من الأراضي وفرض الضرائب الجديدة؛ ما أدى إلى اندلاع حركة تمرد عنيفة عُرفت بحركة «ماجي ماجي»، استبسل فيها المواطنون في الدفاع عن أنفسهم، لكن الألمان حرقوا المنازل والقرى لإخماد هذا التمرد الذي ذهب ضحيته أكثر من 20 ألف أفريقي.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، استطاعت الجيوش البريطانية في عام 1916 انتزاع تانجانيكا من الألمان، ووضع مستعمرة شرق أفريقية تحت وصاية عصبة الأمم. ولاحقًا، منحت عصبة الأمم بريطانيا حق الانتداب على تانجانيكا لتكون هي الوصية عليها بعد انتهاء الحرب.

كذلك، تشاركت بريطانيا مع زنجبار بقوة في تجارة الرقيق حتى سيطرت بصورة غير مباشرة على اقتصادها، وحتى بعد إلغاء تجارة الرقيق أخذت تتدخل في الشؤون السياسية والداخلية لزنجبار حتى عام 1890، الذي أعلنت فيه وصايتها رسميًّا عليها، وامتدت تلك الوصاية لـ 70 عامًا.

4. الإرث الاستعماري يؤجج الفتن والتناوب في الحكم ينميها

في عام 1961 نالت طنجانيقا استقلالها تحت قيادة جوليوس نايريري، ومنحت بريطانيا زنجبار استقلالها في عام 1963. وفي عام 1964، انضمت زنجبار إلى طنجانيقا لتكوين جمهورية تنزانيا، وأصبح جوليوس نايريري أول رئيس للجمهورية. لكن قبل انسحابها، وضعت بريطانيا خطة قوية كي تضمن سيطرتها على زنجبار والساحل الشرقي لأفريقيا حتى بعد انتهاء الاحتلال رسميًّا. 

دعمت خطة بريطانيا فكرة تعزيز القومية الأفريقية، من خلال نشر فكرة التفريق بين المسلمين من أصل أفريقي والمسلمين من الأصل العربي، بهدف إقصاء المسلمين العرب من الساحل الأفريقي بيد الأفارقة أنفسهم على المدى البعيد. وقد نجحت الخطة البريطانية في إشعال ثورة دموية عام 1964 بين المسلمين الأفارقة والمسلمين العرب، بعد أن استعانت بريطانيا بمرتزقة أفارقة للاعتداء على المسلمين العرب. 

وقد لقي المسلمون العرب شتى أنواع الاضطهاد والتعذيب، وقُتل منهم عشرات الآلاف، فضلًا عمن جرى تهجيرهم قسريًّا، ما ترك ظلاله على العلاقة بين تنزانيا والدول الإسلامية. لكن بعد تخلّي تنزانيا عن الاشتراكية الشيوعية عقب تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين، وتطبيق البلاد نظامًا ديمقراطيًّا يسمح بتعدد الأحزاب، عادت العلاقات مع معظم الدول الإسلامية التي أعادت فتح سفاراتها بعد أن أُغلقت لعقود طويلة.

ومن أجل تحقيق التناغم بين الاختلافات العرقية وتفادي الصراعات الدينية؛ اتخذ التنزانيون تقليدًا في الحكم، يقوم على أن يتولى الرئاسة مسيحي ثم مسلم بالتناوب والتوالي؛ الأمر الذي لعب دورًا كبيرًا في تنمية التعايش الديني في البلاد، حيث تعاقب على الحُكم في تنزانيا خمسة رؤساء منذ الاستقلال، جرى انتخاب كل منهم لدورتين متتاليتين؛ فكان الزعيم جوليوس نيريري، أول رئيس لتنزانيا، مسيحيًّا (1961- 1985)، وتولى بعده المسلم علي حسن مويني (1985- 1995)، ثم بنيامين مكابا (1995-2005)، وخلفه المسلم مريشو جاكايا كيكويتي (2005-2015)، وأخيرًا المسيحي جون بومبيه ماغوفولي منذ 2015 حتى وفاته في مارس (آذار) الماضي.

5. رئيسة تنزانيا الحالية: أول رئيسة مسلمة محجبة في أفريقيا

في مارس (آذار) الماضي تولت سامية صلوحي رئاسة تنزانيا؛ لتصبح أول سيدة مسلمة محجبة تتقلد هذا المنصب في بلادها وفي القارة الأفريقية. وتسلمت «ماما سامية» كما يطلقون عليها في تنزانيا الرئاسة بعد وفاة الرئيس ماغوفولي، الذي كانت نائبةً له لأول مرة في عام 2015، ثم أعيد انتخابها إلى جانبه عام 2020.

Embed from Getty Images

وقد أدت سامية البالغة من العمر 61 عامًا القسم في المكتب الرئاسي مرتدية حجابها وممسكة بالقرآن في يدها اليمنى، تحت إشراف رئيس القضاة إبراهيم جومافينج، ودعت إلى وحدة الأمة وتعهدت بدعم الدستور. وسوف تتولى شؤون البلاد للسنوات الأربع المقبلة، وهي المدة المتبقية من ولاية الرئيس الراحل ماجوفولي، الذي ترك لها إرثًا ثقيلا من الأزمات الاقتصادية والسياسية، فضلًا عن أزمة فيروس كورونا، التي لم تنشر تنزانيا آخر تطوراتها منذ أبريل (نيسان) 2020.

وشهد عام 2000 بداية المسيرة السياسية لـ«ماما سامية» حين انتُخبت عضوًا في مجلس النواب الزنجباري، ثم عينت وزيرة في حكومة الرئيس أماني كرومي، حيث كانت الوزيرة الوحيدة في مجلس الوزراء. ولاحقًا تسلمت عدة حقائب وزارية منها السياحة، والتجارة، والاستثمار، وتنمية المرأة والطفل. وفي 2014، عيّنها رئيس تنزانيا الأسبق جاكايا كيكويتي وزيرة الدولة لشؤون الاتحاد.

6. موقع لاكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الحية

تعد تنزانيا من الدول الغنية بالحياة الطبيعية الخلابة، حيث يتشكل حوالي 30% من مساحتها من الحدائق الوطنية، التي منها ما هو مدرج في مواقع التراث العالمي وتعد موطنًا لآلاف الأنواع من الكائنات الحية، مثل أشجار التبلدي التي تستطيع العيش بسهولة لألف عام، إلى جانب المحميات الطبيعية الغنية بالحيوانات مثل محمية سيرينجيتي.

وتجعلها هذه الحياة البرية المتنوعة موقعًا ممتازًا لاكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الحية، مثل: قرد كيبونجي المكتشف عام 2003، على يد العالم تيم دافنبورت من جمعية الحفاظ على الحياة البرية في تنزانيا. ويعد هذا القرد أحد أندر الرئيسيات في أفريقيا، وكان يُعتقد أن وجوده محض أسطورة. أما الآن فيُعتقد أنه يوجد منه ما يزيد قليلاً عن ألف كيبونج فقط على ظهر الكوكب، الأمر الذي يضعه ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، ويفعل دافنبورت وفريقه ما في وسعهم لمنع هذا الرقم من الانخفاض.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، جرى اكتشاف نوع جديد من الأشجار المزهرة، التي تنمو حتى 20 مترًا، في جبال أوسامبارا في تنزانيا، وفقًا لورقة بحثية نُشرت في مجلة «Kew Bulletin» في يونيو (حزيران) 2019. ويقول أندي مارشال من جامعة يورك، صاحب هذا الاكتشاف، أن تلك الأشجار لها أوراق كبيرة يتراوح قطرها بين 13 و 45 سم. 

ولا يعد هذا الاكتشاف الأول من نوعه في المنطقة، بل سبق أن اكتشف الدكتور مارشال نوعًا جديدًا من الحرباء والأشجار في جبال القوس الشرقي (سلسلة من الجبال الموجودة في كينيا وتنزانيا)، ويعتقد العلماء أنه ما زال يوجد الكثير لاكتشافه هناك.

المصادر

تحميل المزيد