يمتلئ التاريخ العثماني الذي امتدَّ لما يقارب الستة قرون، بأخبار المئات من المعارك الحربية الشرسة، لاسيَّما تلك التي شهدتها القارة الأوروبية الملتهبة آنذاك بالصراعات متداخلة ومتلاحمة الجبهات والأحداث، وقد شهد الصراع المفتوح بين الإمبراطوريتيْن العثمانية والنمساوية في قرون المد العثماني في البلقان وشرقي أوروبا شتى أنواع الصدامات العسكرية المتباينة كمًّا وكيفًا، والتي أسهم بعضها في تغيير دفة التاريخ في تلك المنطقة الحيوية.

لكن ما شهدته منطقة «كارانسيبيش» الرومانية عام 1788، كان مشهدًا غير مألوف على الإطلاق في قرون الصراع الدامي بين الإمبراطوريتيْن، إذ شهدت تلك المنطقة واحدة من أشهر حوادث النيران الصديقة في التاريخ، كان بطلها جيش الإمبراطورية النمساوية الذي كان متعطشًا آنذاك للنفاذ في أعماق الدولة العثمانية، فتحالف النمساويون مع الإمبراطورية الروسية القوية التي كانت تشنُّ حربًا ضروسًا ضد الإمبراطورية العثمانية المترنِّحة.

وقد تسبب ضعف الإمبراطورية العثمانية واضطرابها في أن يطمع الروس والنمساويون في انتزاع أكبر قدرٍ ممكن من الأقاليم الخاضعة للسيطرة العثمانية، لاسيَّما في شبه جزيرة البلقان جنوبي شرق أوروبا، وبدا للجميع في ذلك الوقت أن العثمانيين على موعدٍ مع هزيمةٍ عسكرية وسياسية وإستراتيجية ثقيلة، تعيد للأذهان ما شهدته الحرب الروسية العثمانية 1768-1774. 

الحرب.. الهجوم خير وسيلة للدفاع عن العروش

في الفصل التاسع من كتابه «Europe and the Islamic World: A History- John Tolan» يبرز الكاتبان هنري لورينز، وجيل فاينشتاين، أن إمبراطورية النمسا التي حكمها آل هابسبورج، كانت على مدار قرونٍ، هي الحاجز المسيحي الكاثوليكي ضد التوغل العثماني إلى أعماق القارة الأوروبية.

لذا فقدت شهد التاريخ العثماني-النمساوي العشرات من الحروب والمعارك الكبرى، والتي كان البلقان ساحتها الأساسية، بين محاولات النمساويين التمدد باتجاه الجنوب الشرقي لانتزاع مناطق البوسنة وصربيا الحالية، وبين محاولات العثمانيين للتوغل شمالًا باتجاه وسط أوروبا، ومفتاحه العاصمة النمساوية فيينا، والتي حاول العثمانيون احتلالها مرتيْن، كان آخرهما عام 1683، وهُزموا في المرتيْن.

ومنذ نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وبداية الثامن عشر، بدأت الدولة العثمانية في التدهور تدريجيًّا سياسيًّا وعسكريًّا، وكان من أبرز أدلة هذا الضعف، نجاح النمساويين والروس والبولنديين في فرض معاهدة «كارلوفيتز» عام 1699 على العثمانيين.

تاريخ

منذ سنة واحدة
الحرب الروسية العثمانية.. حربٌ أنهت وجود المسلمين في البلقان بالمدافع والمذابح

يذكر المؤرخ د.محمد سهيل طقوش في كتابه «تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة» بنود تلك المعاهدة المهينة للعثمانيين، والتي كان من أبرزها التنازل عن المجر كاملة للإمبراطورية النمساوية، فبدأ التوازن بين العثمانيين والنمساويين يختل بوضوح في صالح النمسا.

وبحلول عام 1785، كان إمبراطور النمسا آنذاك جوزيف الثاني يعاني العديد من المشكلات الداخلية، لاسيما في إقليم المجر الحيوي، وكذلك لدى الشعوب الخاضعة له ذات الثقافة الخاصة، بعد أن فرض اللغة الألمانية لغةً رسمية في البلاد رغم كون المتحدثين بها أقلية نخبوية آنذاك.

وفي عام 1787 كذلك ألغى جوريف الثاني الامتيازات الإصلاحية التي كانت ممنوحة لهولندا الخاضعة لحكمه، وفرض عليها الحكم الفردي الاستبدادي السائد في الإمبراطورية، مما أدى إلى بداية تمردٍ كبير في خلال الشهور التالية تحول إلى ثورة مفتوحة عام 1789 أدت إلى هرب الإدارة النمساوية إلى دوقية لكسمبورج.

وفي عام 1788، سنحت لجوزيف الثاني فرصةً مهمة للجوء إلى الحرب الخارجية للهروب إلى الأمام من تلك المشكلات الداخلية، فقد جرَّت الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية، الدولة العثمانية إلى الحرب في العام السابق، بعد أن استعدَّت عسكريًّا بشكلٍ كبير لانتزاع المزيد من الأقاليم العثمانية.

وبناء على التفاهم الذي جرى بين الروس والنمساويين عام 1781، والذي يقضى بتحالف روسيا عسكريًّا مع النمسا في حالة الحرب بينها وبين ألمانيا، مقابل انضمام النمسا إلى روسيا في حربها ضد الدولة العثمانية، أعلن جوزيف الثاني الحرب ضد الدولة العثمانية، وقرَّر حشد عشرات الآلاف من قواته في رومانيا، منتظرًا وصول جيوش حلفائه الروس، من أجل التوغل جنوبًا في أعماق البلقان العثمانية.

وكانت القوات النمساوية المحتشدة غير متجانسة، فقد ضمت إلى جانب النمساويين، قواتٍ من العديد من الشعوب مختلفة اللغات مثل الكروات والرومانيين  والألمان والصرب والبولنديين وغيرهم، وقد أسهمت صعوبة التواصل بين تلك القوات بدورٍ ما في الحادثة الخطيرة التي على وشك الحدوث في «كارانسيبيش». 

لم ينتظر العثمانيون تكامل الجيش المحارب لهم، وحشد الصدر الأعظم يوسف باشا جيشًا كبيرًا من إسطنبول، وعبر نهر الدانوب شمالًا متوغلًا في الأراضي الرومانية، متجهًا صوب قاعدة حشد القوات النمساوية في كارانسيبيش الرومانية. 

«كارانسيبيش».. نيران صديقة قاسية

في مساء يوم 21 سبتمبر (أيلول) 1788 حدث ما لم يكن في الحسبان، ووقع ما أسمته صحيفة «ديلي صباح» التركية في تقريرٍ حديث لها: «أسهل انتصارٍ في التاريخ العثماني» فقد كانت قوات الاستطلاع النمساوية تجوب المناطق القريبة من «كارانسيبيش» بحثًا عن أي قواتٍ عثمانية متقدمة، أو وحدات استطلاعٍ لها.

وبينما كان فرسان «الهوسار» النمساويون يبحثون على الضفة الأخرى من نهر «التيميس»، عثروا على سكان محليين رومانيين يبيعون الخمر، فأقاموا بعض التحصينات السريعة لحماية أنفسهم، ثم بدأوا حفلةً للخمر، وتعاقروا الخمر حتى سكروا تمامًا.

وفي تلك الأثناء، وصل إلى موقع حفل العربدة كتيبة من المشاة النمساويين، والذين أرادوا الحصول على بعض الخمر لأنفسهم، لكن الفرسان السكارى رفضوا طلب زملائهم، فتكهربت الأجواء، ووقعت المشاحنة بين الطرفين، ووصلت إلى حد التعارك بالأيدي، وفجأة أطلق أحد الجنود المتهورين طلقات من بندقيته، فخرجت الأمور عن السيطرة، إذ ظن الفرسان والمشاة أنهم يتعرضون لهجوم عثماني، وعندما وصلت أصوات الطلقات إلى مسامع قوات المشاة النمساوية القريبة من الموقع، والتي لم تكن تعلم بقصة المشاحنة حول الخمر، ظنُّوا على الفور أن العثمانيين يهجمون، وصاحوا فيمن خلفهم أن الأتراك قادمون.

فأطلقت المدفعية النمساوية نيرانًا كثيفة نحو المناطق التي اندلعت فيها الطلقات، فاضطر الفرسان والمشاة إلى عبور النهر مذعورين عائدين إلى معسكرهم بغير نظام، فظنهم الآخرون مقدمةً عثمانية متقدمة، حتى انتبهت وحدة ألمانية إلى أن هؤلاء من جيشهم نفسه، فصاحوا بالألمانية «Halt Halt» يطلبون وقف إطلاق النار، لكن في قلب تلك الفوضى والضوضاء لم يفهم غير الألمان النداء جيدًا، وظنوهم يقولون «Allah Allah»، فاعتقدوا أنهم عثمانيون يصيحون «الله الله»، فأطلقوا عليهم النار هم أيضًا.

وهكذا تطورت الأمور، وأخذ الجيش النمساوي يقتتل طوال الليل، وكاد الإمبراطور جوزيف يفقد حياته عندما سقط من على صهوة جواده في خضم الفوضى الضاربة، وأخذ الجنود النمساويون يطلقون النار على كل شيءٍ يتحرك في الظلام، ولم يتوقف القتال العبثي حتى الصباح.

وتضاربت المراجع في تقدير خسائر الجيش النمساوي في معركة «كارانسيبيش»، فقد هبطت بعض التقديرات إلى 150 قتيلٍ فحسب، بينما وصلت بعض التقديرات إلى حد 10 آلاف قتيلٍ ومصاب، وأن العثمانيين عندما وصلوا بعد يومين إلى منطقة «كارانسيبيش»، أسروا عشرات الآلاف من القوات النمساوية المفكَّكة.

ومما يرجح تعرض الجيش النمساوي لخسائر مؤثرة في «كارانسيبيش» برومانيا في تلك الفترة، سواءً بالنيران الصديقة، أو طلقات العثمانيين، أو أعمال السلب والنهب من طرف العصابات المحلية، أو انتشار الأمراض والأوبئة، أن الإمبراطور جوزيف الثاني نفسه انسحب إلى العاصمة فيينا أواخر هذا العام، وظل أشهرًا عاجزًا عن العودة إلى العمليات العسكرية بفاعلية، حتى جاء صيف عام 1799، وانضمت إليه قوات الإمبراطورية الروسية.

ويبدو أن واقعة «كارانسيبيش» تلك كانت مشينة للعسكرية النمساوية، فتغافل المؤرخون النمساويون عن الإشارة إليها حتى مضى أكثر من 40 عامًا، عندما أشير إليها عرضًا عام 1831 في المجلة العسكرية النمساوية، ثم ظهرت مرة أخرى في أحد المراجع التاريخية الألمانية عام 1843.

لكن هناك العديد من المصادر التاريخية المهمة قد أغفلت تمامًا ذكر واقعة النيران الصديقة العنيفة في «كارانسيبيش»، فعلى سبيل المثال، ذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في الجزء الأول من موسوعته «تاريخ الدولة العثمانية» أنَّ ما دار في ذلك اليوم هو معركة حربية ضخمة عندما باغت جيش عثماني كبير يقوده الصدر الأعظم قوجا يوسف باشا، قوات الإمبراطور النمساوي جوزيف الثاني المتحصِّنة في «كارانسيبيش».

وأضاف أوزتونا أن جيش الإمبراطورية العثمانية ألحق بتلك القوات خسائر جسيمة شملت 50 ألف أسير، والاستيلاء على 80 مدفعًا، بينما نجا الإمبراطور النمساوي من القتل أو الأسر في تلك المعركة بأعجوبة، وأن علماء إسطنبول قرروا منح السلطان العثماني عبد الحميد الأول لقب غازي، الذي درجت العادة آنذاك على منحه للسلاطين الذين تحقق جيوشهم انتصاراتٍ عسكرية كبرى.

لكن أيًّا كانت حقيقة ما حدث في «كارانسيبيش»، سواءً كان بالأساس حادث نيران صديقة عنيفًا، أو معركة بين الجيشيْن، أو كلا الحدثيْن، فإنه لم يُحدث انقلابًا مستدامًا في مسار الأحداث في تلك الحرب، فقد أعاد النمساويون تنظيم صفوفهم، ونجحوا في العام التالي 1789 في تحقيق انتصاراتٍ كبيرة ضد العثمانيين في معركتيْ «فوكشان» و«رمينيك»، بدعمٍ كبير من حلفائهم الروس الذين تفرغوا من مهمة انتزاع القلاع الحيوية على سواحل البحر الأسود الشمالية الغربية من العثمانيين.

وهكذا استولى النمساويون على مدينة بلجراد الحيوية عاصمة صربيا الحالية، وفقد العثمانيون أيضًا أراضي مولدافيا ورومانيا في شمالي شرق البلقان، ودُفع العثمانيون إلى جنوب نهر الدانوب، وبدا أن الخطر الروسي-النمساوي يقترب حثيثًا من العاصمة العثمانية إسطنبول.

لكن يذكر سهيل طقوش في كتابه «تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة» أنه لحسن حظ العثمانيين، فإن بعض المتغيرات المفاجئة حرمت الروس والنمساويين من الاستفادة الكاملة من انتصاراتهم تلك، فقد اندلعت الثورة الفرنسية المزلزلة عام 1789، وبدأت شعاراتها الثورية تنتشر مثل النار في الهشيم في الملكيات الأوروبية كافة.

كما تُوفي الإمبراطور النمساوي المتحمس للحرب جوزيف الثاني أوائل عام 1790، كذلك أبدت القوى الأوروبية المؤثرة الأخرى، وفي مقدمتها إنجلترا وبروسيا، اعتراضها على القضاء على الدولة العثمانية لصالح الروس والنمساويين، مما سيخل بتوازنات القوى الأوروبية، وإزاء كل ما سبق، وقعت النمسا والدولة العثمانية في أغسطس (آب) 1790 معاهدة «زوشتوي»، والتي نصَّت على إعادة بلجراد والأقاليم الصربية إلى العثمانيين.

المصادر

تحميل المزيد