كان العلماء يظنون حتى وقت قريب أن سطح القمر شديد الجفاف، لكن أدلة جديدة كشفت مؤخرًا وجود مياه في الحفر القمرية، أو محبوسة فيما يشبه الحبات الزجاجية في تربته. أصابت العلماء حيرة حول مصدر هذا الماء، وظلوا يحاولون فك هذا اللغز. كان أحد الاحتمالات المفاجئة التي توصلوا لها أن مصدر هذه المياه هو كوكب الأرض، وتحديدًا الغلاف الجوي لكوكب الأرض، إلى جانب الشمس.

كان هذا أمرًا غير متوقع بالفعل، فكيف يمكن أن تمنح الشمس، أو الغلاف الجوي للأرض، المياه للقمر؛ فالمسافة بينهما بعيدة. هنا نشرح هذه الاحتمالية الفريدة من نوعها.

الماء ليس نادرًا في الفضاء!

الماء ليس مادة نادرة في الفضاء كما يظن الكثيرون منا. علينا فقط أن ننظر إلى تلك الأماكن المناسبة للمياه من أجل الاختباء والبقاء. يمكن أن تتواجد المياه داخل الكويكبات، كما أنها تغطي المذنبات، بل حتى تتشبث بشكل غير مستقر داخل ظلام فوهات كوكب عطارد، رغم أنه أقرب كواكب المجموعة الشمسية للشمس.

طبقًا لذلك من المنطقي أن بعض هذه المياه على الأقل سوف يتناثر على القمر بين الحين والآخر، نتيجة اصطدام الكويكبات والمذنبات به. لكن مع حرارة الشمس الحارقة ونقص الحماية المتوفرة للقمر من فراغ الفضاء، فإنه لا يتوقع أن تبقى هذه المياه لفترة طويلة. لاحظ أنه لا يملك غلافًا جويًا، وبالتالي فإن سطحه معرض بشكل مباشر للفضاء الخارجي؛ مما يساعد على تسرب المياه بسهولة منه.

رطوبة على سطح القمر!

نحن لا نتحدث هنا عن وجود كميات هائلة من المياه مثل التي تتواجد في بعض الكواكب على صورة محيطات متجمدة، أو أبخرة من المياه المتصاعد، مثل التي اكتشف العلماء وجودها على المريخ. نحن نتحدث هنا في القمر عن وجود ما يشبه الرطوبة في تربة القمر نفسه، أي مياه محبوسة داخل الغبار والصخور، وهو ما يمنحها قدرة إلى حد ما على البقاء وعدم التسرب سريعًا للفضاء الخارجي.

Embed from Getty Images

لحساب هذه الكمية المدهشة وغير المتوقعة من الرطوبة الموجودة على سطح القمر، اقترح الباحثون شكلًا أكثر ديناميكية لعملية إنتاج هذه الرطوبة على سطح القمر. اقترح العلماء وجود ما يشبه «المطر» الثابت، ولكنه ليس مطرًا من جزيئات الماء، بل مطرًا من أيونات الهيدروجين (البروتونات) المدفوعة بالرياح الشمسية. بكلمات أخرى: نحن نتحدث عن مطر يهطل على القمر من البروتونات القادمة من الشمس والتي تحركها الرياح الشمسية.

تصطدم أيونات الهيدروجين هذه بالأكاسيد المعدنية الموجودة في غبار القمر وصخوره، مما يؤدي إلى تمزيق الروابط الكيميائية، وتشكيل تحالف مؤقت لهذه البروتونات مع الأكسجين المتحرر من روابطه السابقة.

هل ترسل الشمس مياهًا للقمر فعلًا؟

تبدو هذه الفرضية غريبة، لذلك حاول العلماء الاستدلال عليها، خصوصًا أنه يمكن تعزيزها من خلال ملاحظة جزيئات الماء الأكثر عرضة والأقل ارتباطًا، والتي تستسلم بسرعة لفراغ الفضاء عندما يكون القمر محميًا من الرياح الشمسية. لاحظ هنا أننا لم نأت أيضًا على ذكر الأرض ودورها في منح القمر للماء. حسنًا دعونا لا نتعجل؛ فالأمور على وشك أن تأخذ مزيدًا من الإثارة الآن.

كوكب الأرض محمي جيدًا من النسيم أو الرياح المستمرة للأيونات المنبعثة من الشمس، وذلك بفضل فقاعة مغناطيسية تحيط به، أو ما نطلق عليه المجال المغناطيسي. هذا المجال هذا لا يحيط بنا فحسب، بل يتحول إلى شكل قطرة على شكل الدمعة بسبب تأثير هجوم الرياح الشمسية. يمكنك أن تتخيل فقاعة رقيقة في وسط عاصفة قوية من الرياح، بالتأكيد سيتغير شكل الفقاعة وستكون مقعرة في الجهة المواجهة للرياح، ومحدبة أو مسحوبة في الطرف البعيد.

لبضعة أيام كل شهر يمر القمر عبر هذا الغلاف المغناطيسي للأرض، وبالتالي يتلقى ما يشبه فترة راحة قصيرة من هطول أمطار بروتونات الشمس هذه. فالجسيمات النشطة من الرياح الشمسية تقصف القمر في كل الأوقات تقريبًا، باستثناء نافذة مدتها خمسة أيام كل شهر، عندما تمر الأرض بين الشمس والقمر.

استخدم فريق دولي من الباحثين مؤخرًا أدوات البلازما والمجال المغناطيسي على المسبار المداري (Kaguya) الياباني لتحديد هذا التوقيت الدقيق في مدار القمر الذي يكون فيه محميًا من بروتونات الشمس. بعد ذلك، رسموا خريطة لتوزيع المياه عبر سطح القمر. كان من المفترض أن يظهر لهم توزيع الماء اختلافًا واضحًا، حيث يقل وجود المياه في الأوقات التي يحتمي فيها القمر بالغلاف المغناطيسي للأرض. لكن النتائج لم تكن بالضبط مثلما توقعوه.

باختصار لم يحدث أي اختلاف يذكر. كشفت خريطة توزيع المياه مع مرور الزمن للقمر عن عدم وجود فرق ملموس في الأيام الثلاثة إلى الخمسة التي قضاها مختبئًا من رياح الشمس. قد تعني هذه النتائج بعض الأمور. إحداها أن فرضية الرياح الشمسية بأكملها هي عبارة عن تمثال نصفي، وأن النصف الآخر المكمل هي تلك الخزانات الأخرى مثل المذنبات والكويكبات والمسؤولة عن تجديد المياه السطحية للقمر.

الأرض ترسل مياه للقمر

الاحتمال الآخر المثير للاهتمام الذي لا يتطلب منا التخلي عن فكرة قيام الرياح الشمسية بإرسال المياه للقمر، هو أن المجال المغناطيسي للأرض يتحول هو أيضًا إلى  مصدر للبروتونات في الوقت الذي يكون فيه القمر محمي من الشمس. إذ تقوم الأرض بإرسال البروتونات إلى القمر حتى في غياب الشمس.

Embed from Getty Images

اقترحت الأبحاث السابقة أن «صفيحة البلازما» المرتبطة بالغلاف المغناطيسي لكوكبنا يمكن أن توفر نفس كمية أيونات الهيدروجين مثل الرياح الشمسية، خاصة باتجاه قطبي القمر. وبالتأكيد لن يستلم القمر هذه البروتونات من غلاف الأرض بنفس القدر من القوة، لكن الباحثين يفترضون أنه حتى أيونات الهيدروجين منخفضة الطاقة يمكنها أن تتفاعل مع الأكسجين على القمر وتنتج الماء بشكل مستقر إلى حد ما.

نعم كل هذا يبدو مجرد تخمين، لكنه تخمين يحاول إيجاد تفسير منطقي لتلك الخريطة المفاجأة وغير المتوقعة لتوزيع المياه على سطح القمر، والتي لا تتوافق مع النماذج السابقة لدى العلماء. يهتم العلماء بفهم الديناميكا المائية للقمر، لأننا قد نحتاج إلى الاعتماد بشكل كبير على إمدادات هذه المياه كوقود لدعم الحياة يومًا ما، إذا أصبح القمر نقطة انطلاق لاستكشاف الفضاء.

والأرض ترسل الأكسجين أيضًا للقمر

هناك أيضًا كل تلك الاحتمالات بأن الأكسجين في غلافنا الجوي العلوي فوق القطبين يتسرب عبر الامتداد الشاسع من الفراغ ليصطدم بالقمر، خاصة خلال فترات النشاط المغناطيسي الأرضي. وهو ما يمنح القمر العنصر الثاني اللازم لتكون المياه، الأكسجين. ربما كان الغلاف الجوي للأرض يسرب الأكسجين إلى القمر على مدى ملايين السنين.

كما ذكرنا بينما يحمي المجال المغناطيسي للأرض القمر من وابل جسيمات الشمس، فإنه يخلق أيضًا صفحته الخاصة من الأيونات التي تتدفق بين الأرض والقمر. هذه المنطقة التي تسمى «صفيحة البلازما» تتكون أساسًا من الهيدروجين، ولكنها تحتوي أيضًا على بعض أيونات الأكسجين عالية الطاقة.

علوم

منذ 3 شهور
هل القمر أقل أهمية لكوكب الأرض من الشمس؟

عندما يكون القمر داخل صفيحة البلازما الخاصة بالأرض، يمكن أن تنفجر أيونات الأكسجين من الأرض على سطح القمر، حيث تبقى على أعماق تصل إلى 2 ميكرومتر في تربة القمر. هذا يعطينا فكرة عن تلك الأكاسيد المتكونة، والتي تحتوي على الأكسجين، ومن أين جاءت تحديدًا. إذ يبدو أنه حتى الأكسجين اللازم للبروتونات لتكوين الماء، يأتي هو الآخر من الأرض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد