على الرغم من محاولة العديد من المؤسسات والحكومات من أجل إيجاد حلول لأزمة تغير المُناخ؛ إلا أن المناخ حتى الآن مُستمر في التغير بشكل ينذر بحدوث مشاكل يمكن أن تُصنف مستقبلًا على أنها كوارث. بل ومن المتوقع أن تتدهور طبيعة الكوكب على مر السنوات القادمة إن لم يجد الإنسان حلًا لهذه الأزمة العالمية.

فمن الممكن أن نشهد تغيرات جذرية في تكوينات الطبيعة خلال القرن الحالي، مثل أن تستمر مناسيب البحار والمحيطات بالارتفاع حتى يزداد ارتفاعها بين 60 – 80 سنتيمتر، ما يعني غرق مدن وجزر كاملة.

الأعاصير والفيضانات أيضا سوف تصبح قوية بشكل لا يمكن مقاومته أو السيطرة عليه، كما أن نسبة المياه العذبة الصالحة للشرب سوف تقل، وسوف تنتشر الأوبئة التي تسببها فيروسات أو بكتريا محمولة في الهواء مثل وباء كورونا الحالي بشكل أسرع وأكبر، أما التنوع البيولوجي فسوف يختل بسبب هجرة بعض الكائنات وانقراض البعض الآخر بسبب عدم قدرتها على تحمل الظروف الجديدة للبيئة المحيطة.

واحد من أهم العوامل إن لم يكن أكثرها إسهامًا في الأزمة المُناخية؛ هو إرتفاع نسبة غاز ثاني أوكسيد الكربون (CO2) في الجو، والذي وصل إلى 409 وحدة لكل مليون شخص، بزيادة 36% عن ما كانت عليه نسبته في الهواء مطلع القرن العشرين الماضي، وهي بكل تأكيد نسبة كبيرة تسرع من وجود التغيرات السلبية على البيئة الطبيعية في كوكب الأرض الذي نعيش فيه.

ارتفاع نسبة الكربون – مصدر الصورة (Climate.org)

وكما تعلمنا في دروس العلوم الأولى في المدرسة، فإن اليابسة التي يعيش عليها الإنسان تصل مساحتها بالكاد حوالي 30% من المساحة الكلية لكوكب الأرض الذي تغطي المياه معظم سطحه. وإذا كان الإنسان المتحكم الأساسي في مسألة المُناخ على اليابسة؛ فالكائن الآخر الأكثر تطورًا وقوة في المياه هو الحوت؛ والذي يلعب أدوارًا مهمة في التغير المُناخي في الكوكب، ولكن ما يفعله الحوت يعد إيجابيًا مقارنة بممارسة البشر السلبية نحو المناخ، فكيف ذلك؟

الحوت يقتل أطنانًا من الكربون!

على مر القرون كان الإنسان يسعى لصيد الحيتان التي يمكن أن يستغل لحمها، وزيوتها، وعظامها، وحتى جلدها في تصنيع المُنتجات التي تُباع بأموال طائلة. فطبقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي تصل القيمة الشرائية للحوت الكبير حوالي 2 مليون دولار، وهذا يعني أن قيمة الحيتان – من المنظور المالي للإنسان – تصل إلى ترليون دولار أمريكي.

يعيش الحوت الكبير تقريبًا حوالي 60 سنة، ويمكن أن يخزن فيها داخل جسده حوالي 33 طنًا من غاز ثاني أكسيد الكربون، وعندما يموت الحوت يهبط جسده إلى أعماق المحيطات، ولأن ثاني أكسيد الكربون غاز يمتاز بكثافة عالية؛ يذهب محتوى ثاني أكسيد الكربون المُخزن في جسم الحوت الميت إلى أعماق المحيط السحيقة، ويمكن أن يظل محبوسًا فيها لقرون.

رسم توضيحي لكيفية تخلص الحوت من الكربون – مصدر الصورة صندوق النقد الدولي

لكن عندما يصطاد الإنسان الحوت تُطلق هذه الكمية الضخمة في الهواء الطلق مؤثرة بالسلب على المُناخ؛ ففي دراسة علمية صدرت عام 2010، وجد العلماء أنه قبل أن تشيع ظاهرة صيد الحيتان الجائرة للأغراض الصناعية في التاريخ البشري؛ كانت مجموعات الحيتان تساهم في إغراق ما بين 190 ألف إلى 1.9 مليون طن من الكربون سنويًا في قاع المحيط، وهذا يعادل نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه ما بين 40 ألف إلى 410 آلاف سيارة كل عام.

وفي الوقت الحالي تقدر الأرقام أعداد الحيتان الكبيرة في كوكب الأرض على نحو 1.3 مليون حوت، ويرى العلماء أنه في حالة تمكنت البشرية من إعادة أعداد الحيتان إلى بين 4 – 5 مليون حوت كما كان مجموعها قبل ظاهرة صيد الحيتان الجائرة؛ سوف تتخلص البشرية من 1.7 مليار طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

العوالق النباتية شريكة الحيتان في مهمة إصلاح كوكب الأرض

تعد الحيتان أكبر وأضخم الكائنات الحية على وجه الأرض، لكن في مهمتها الطبيعية لحل أزمة المُناخ العالمية تتعاون مع كائنات ميكروسكوبية لا ترى بالعين المجردة تسمى «العوالق النباتي (Phytoplankton)». العوالق النباتية هي مجموعة من الكائنات الصغيرة التي تتشارك مع النباتات في عملية البناء الضوئي التي تمتص خلالها ثاني أكسيد الكربون، وتطلق غاز الأكسجين بدلًا عنه.

بعض العوالق النباتية هي كائنات بكتيرية، وبعضها من الطلائعيات، ولكن النسبة الأكبر من العوالق النباتية هي للنباتات الصغيرة التي تتكون كليًا من خلية واحدة، وتؤدي عملية البناء الضوئي نفسها التي تؤديها النباتات معقدة التركيب.

 هذه المخلوقات المجهرية لا تساهم فقط في إنتاج 50% على الأقل من كل الأكسجين في غلافنا الجوي، لكنها تفعل ذلك من خلال التقاط حوالي 37 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يقدر بنحو 40% من إجمالي ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه البشرية سنويًا.

لكن لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح، ونقارن بين دور العوالق النباتية مع الكائنات الأخرى في التخلص من ثاني أكسيد الكربون؛ فإنها تعادل كمية ثاني أكسيد الكربون التي تم التقاطها بواسطة 1.70 تريليون شجرة – أي مساحة غابات الأمازون أربع مرات – أو 70 ضعف الكمية التي تمتصها جميع الأشجار في متنزهات الولايات المتحدة الأمريكية كل عام. 

صورة توضحية للعوالق النباتية- مصدر الصورة بلو بلانيت سوسيتي

اكتشف دراسات وأبحاث العلماء حول العالم في السنوات الأخيرة أن الحيتان لها تأثير مضاعف في زيادة إنتاج العوالق النباتية أينما ذهبت؛ اتضح أن النفايات الناتجة عن فضلات الحيتان تحتوي على معادن وعناصر مهمة، مثل: الحديد، والنيتروجين، التي تحتاجها العوالق النباتية للنمو.

تجلب الحيتان المعادن إلى سطح المحيط من خلال حركتها الرأسية المسماة «مضخة الحوت»، ومن خلال هجرتها عبر المحيطات، في حركتها المعروفة علميًا أيضًا باسم «حزام ناقل الحوت» تُضاعف بنسبة أكبر من تواجد العوالق النباتية في المناطق البحرية التي تتنقل الحيتان بينها.

وبعد كل ما ذكر عن الدور المهم الذي تلعبه الحيتان في حل أزمة المُناخ؛ يجب أن يمضي العالم قدمًا ويأخذ خطوات جادة في إطلاق المبادرات وسن التشريعات المحلية والدولية لتنمية أعداد الحيتان في المحيطات؛ فضلًا عن الحد من الممارسات التي تقلص عددها وتنوعها، مثل عمليات الصيد الجائرة لأهداف الصناعة، أو لأهداف المتعة البشرية، وأيضًا تقليل نسبة الملوثات التي تقتل الحيتان في المحيطات، مثل المخلفات البلاستيكية والكيميائية التي تطلقها السفن، والشركات الكبرى، وحتى الأفراد في المحيطات، وتشكل عائقًا في حيات الحيتان؛ بل تكون قاتلة لها في بعض الأحيان.

البيئة

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز»: البشر حلوا مشكلة ثقب الأوزون.. لماذا لا يستطيعون حل التغير المناخي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد