«على الرغم من أن العالم مليء بالمُعاناة، فإنه مليء أيضًا بطرق التغلب على تلك المعاناة» هيلين كيلر – الكاتبة والناشطة الأمريكية

هل تساءلت يومًا كيف نُشفى من الجروح؟ وما ردة فعل أجسادنا عندما نجرح أنفسنا؟ ولماذا لا تظل جروحنا مفتوحة إلى الأبد؟ في الحقيقة، إنَّ آلية عمل الجسم مؤهلة لإعادة بناء الأنسجة، والتئام الجروح مرة أخرى تلقائيًّا. ولكن ماذا عن الصدمات النفسية هل تعمل عقولنا بالآلية نفسها التي تعمل بها أجسادنا؟

ظل هذا السؤال يتردد في ذهن فرانسينا شابيرو، طالبة الآداب التي غيرت تخصصها، ودرست علم النفس بعد تشخيصها بالسرطان أواخر سبعينيات القرن الماضي، لتبدأ رحلتها في استكشاف العلاقة بين عقلها وجسدها وصحتها النفسية.

تحكي فرانسينا مؤسسة علاج «الاستثارة الثنائية لحركة العين وإعادة معالجتها» وما يُعرف اختصارًا بـ« إي إم دي آر – EMDR» في فيلمٍ وثائقي، أنَّها بدأت رصد العلاقة المتبادلة بين جسدها، وأفكارها، ومشاعرها بعد إصابتها بالسرطان، وملاحظاتها أنَّها تستطيع التخلص من أفكارها المزعجة المرتبطة بمرضها عندما تحرك عينيها بطريقة معينة.

ولذلك قررت فرانسينا تكرار التجربة مع أصدقائها، لكنها اكتشفت مواجهة الناس صعوبة تحريك عيونهم بمفردهم بالطريقة نفسها، ولذلك بدأت استخدام أصابعها لتوجيه عيونهم. واكتشفت أنَّ هذه الطريقة، تساعد للتعافي من الصدمات، والتخلص من المشاعر السلبية.

ما هو علاج الاستثارة الثنائية لحركة العين أو الـ«EMDR»؟

علاج الاستثارة الثنائية هو أسلوب علاج نفسي تفاعلي، يُستخدم لتخفيف الضغط النفسي لمساعدة الأشخاص على التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة، أو تجارب الحياة المؤلمة الأخرى.

صورة ذات دقة عالية تبين تفاصيل بؤبؤ العين 

ووفقًا لموقع «فيري ويل مايند» الطبي، يهدف العلاج إلى تقليل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة عن طريق التركيز على الذكريات المؤلمة وتحفيز حركة العين بطريقة تشبه حركات العين التلقائية التي تحدث في مرحلة من مراحل النوم تعرف بنوم حركة العين السريعة لتبديل انتباه المريض بين الأحداث المقترنة بالصدمة وحركات العين الإيقاعية. 

ليست المشاعر.. الذاكرة هي كلمة السر

يعتمد علاج الاستثارة الثنائية على العديد من نظريات العلاج النفسي، ومنها مفاهيم العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، لكن على عكس أشكال العلاج الأخرى التي تركز على تغيير العواطف والأفكار والسلوكيات الناتجة من التجارب المؤلمة، يركز علاج الاستثارة الثنائية مباشرة على الذاكرة المحددة لتغيير طريقة تخزينها في الدماغ والحد من استرجاعها.

ويُوضح تقرير منشور على موقع «هلث إن» الطبي أن أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وبعض الاضطرابات الأخرى التي ليس لها أساس كيميائي؛ ناتجة من تجارب سابقة مؤلمة مستمرة في إيذاء أصحابها لأن الذاكرة لم تُعالجها بشكل كافٍ، وعندما يسترجع الشخص هذه الذكريات المؤلمة يسترجع معها مشاعر الألم النفسي نفسها، وحتى الأحاسيس الجسدية التي صاحبت الحدث المؤلم، فتظهر عليه أعراض اضطراب ما بعد الصدمة أو اضطرابات أخرى.

علاج الاستثارة الثنائية يُغير طريقة تخزين الذاكرة في الدماغ

يستعرض الفيلم الوثائقي «EMDR – a documentary film» الذي أخرجه مايكل بيرنز عام 2011، قصة طفلين صغيرين تعرضا للإهمال وسوء المعاملة في سنوات طفولتهما المبكرة، وعانيا من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ويكشف الفيلم كيف ساعدهما علاج الاستثارة الثنائية في التغلب على شعورهما بالصدمة، والخوف، والحد من الاستثارة الفسيولوجية التي كانت تحدث لهما عند إثارة الحديث عن الماضي.

شابة تحت علاج التنويم المغناطيسي 

يركز العلاج مباشرةً على الذاكرة، ويهدف إلى تغيير طريقة تخزين الذاكرة في الدماغ، وتقليل الاستثارة الفسيولوجية، وإعادة صياغة الأفكار السلبية المصاحبة للذكرى المؤلمة. ووفقًا لموقع مؤسسة «EMDR» يحدث ذلك عن طريق استحضار العميل للذكريات المؤلمة، التي تزعجه بطريقة محددة يشرحها المعالج النفسي مع التركيز في الوقت نفسه على منبه خارجي وهو حركات العين الجانبية الموجهة للمعالج، والتي تعد المحفز الأكثر استخدامًا بجانب بعض المحفزات الأخرى مثل التحفيز الصوتي.


يساعد العلاج في الوصول إلى الذكرى المؤلمة، ويعمل على إعادة معالجة المعلومات المرتبطة بها بشكل يساعد المريض على خلق علاقة جديدة، بين الذكرى المؤلمة والمعلومات المعالجة الأكثر تكيفًا، ويعتمد في ذلك على بروتوكول من ثلاثة محاور: 

  • معالجة الذكرى المؤلمة التي تسببت في اضطراب ما بعد الصدمة، وتكوين علاقة جديدة بينها وبين المعلومات الأكثر تكيفًا.
  • إزالة التحسس من المحفزات التي تُثير حالة الألم النفسي المرتبطة بالحدث الصادم.
  • مساعدة المريض في اكتساب المهارات التي تساعده على التكيف.

ثماني مراحل لتطبيق هذا البروتوكول

يهتم علاج الاستثارة الثنائية بالتركيز على الذكريات المؤلمة التي حدثت في الماضي والأحداث المفزعة التي ترتبت عليها في الحاضر، وتُسبب الشعور بالهلع والضيق، ويعمل على تطوير مهارات تكيفية تساعد على التعايش في المستقبل.

ووفقًا للدليل الإرشادي المنشور على موقع جمعية علم النفس الأمريكية، فإن هناك ثماني مراحل تُساعد على تحقيق الدعم الكامل للأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وهي:

تدوين التاريخ المرضي.. تاريخك المرضي يحدد خطة علاجك

يدون المعالج في هذه المرحلة كل الذكريات المؤلمة والمواقف التي تُثير الضيق والهلع عند العميل، ويبدأ في وضع خطة علاج مبنية على التاريخ المرضي له وعدد الصدمات التي تعرض لها.

التحضير.. تدريبات على حركة العين

يشرح المعالج للعميل عدة طرق للتعامل مع الضيق العاطفي، ويساعده على التدرب على حركات العين، واستدعاء الذكريات المؤلمة من خلال تقنيات تساعده على تقليل التوتر وتحافظ على التوازن النفسي أثناء الجلسات وبينها.

التقييم.. استدعاء الذكرى المؤلمة

يطلب المعالج في هذه الخطوة من العميل استدعاء الذكرى المؤلمة التي تزعجه، ويبدأ في تنشيط الذاكرة واستحضار الصورة الذهنية المرتبط بالحدث المؤلم، والمشاعر السلبية المصاحبة لها، كما يطلب منه استحضار قيمة إيجابية عن نفسه.

إزالة التحسس.. التحرر من الماضي

يسعى المعالج في هذه المرحلة إلى مساعدة العميل على التحرر من الذكرى المؤلمة من خلال حركات العين، بعدها يوجه إلى تصفية ذهنه ومناقشة الأفكار والذكريات التي تتبادر في ذهنه، ويستمر المعالج في هذه المرحلة حتى يتحرر العميل من الذكرى المؤلمة.

التثبيت.. كن كما تحب أن ترى نفسك

تُعد مرحلة التثبيت هي المرحلة الخامسة من مراحل علاج الاستثارة الثنائية، وهي تُعزز القيمة الإيجابية التي حددها العميل في المرحلة الثالثة، فعندما تختفي المشاعر السلبية تجاه الذكرى المؤلمة يطلب المعالج من العميل التركيز على القيمة الإيجابية التي يرى عليها ذاته، ثم يقوم المعالج بعمل روابط جديدة بين الذكرى السابقة وبين الأفكار الإيجابية الجديدة ويساعد العميل على تقوية هذه الروابط من خلال المزيد من مجموعات التحفيز.

مسح الجسم.. التخلص من الاستجابة الفسيولوجية

يحاول المعالج في هذه المرحلة التأكد من تخلص العميل النهائي من أي ذكرى مؤلمة، لذلك يطلب منه ملاحظة ما إذا كان لديه أي استجابة جسدية أثناء التفكير في الذاكرة المستهدفة والأفكار الإيجابية الجديدة، فإذا كان يعاني من التوتر، سوف يساعده المعالج على تجاوز مشاعره السلبية من خلال المزيد من مجموعات التحفيز.

الإغلاق.. سلامتك النفسية أولًا

يُستخدم الإغلاق لإنهاء كل جلسة خلال هذه المرحلة، ويناقش المعالج الخطوات الإيجابية التي تدرب عليها العميل وكيفية مواصلتها يوميًّا لضمان سلامته النفسية حتى الجلسة التالية.

إعادة التقييم.. هل قضيت على أشباح الماضي؟

تبدأ الجلسة التالية في خطة العلاج بالمرحلة الثامنة، بإعادة تقييم الحالة النفسية الحالية للعميل، وما إذا كانت آثار العلاج قد استمرت، وما الذكريات التي قد تكون ظهرت منذ الجلسة الأخيرة، ليبدأ المعالج في تحديد الأهداف الحالية للجلسة.

علوم

منذ 4 شهور
مديرون ومنفيون ورجال إطفاء! علم النفس يخبرك عمَّن يعيش في عقلك ويتحكم بك

الكثير من الشكوك حول فاعلية العلاج

يوضح أوري بيرجمان المعالج المتخصص في التنويم المغناطيسي ومؤلف كتاب «أسس بيولوجية عصبية لممارسة الاستثارة الثنائية لحركة العين وإعادة معالجتها» في الفيلم الوثائقي أنه لم يكن يعده علاجًا قابلًا للتطبيق.

لكنه اضطر إلى استخدامه مع أحد مرضاه الذي تعرض لحادثة سرقة وضرب مبرح، ويُعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة أن العلاج بالتنويم المغناطيسي أدى إلى تدهور حالته، لذلك قرر تجربة العلاج الذي ساعده إلى حد كبير التخلص من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بنهاية الجلسة، الأمر الذي فاجأه وجعله يؤمن بقوة بفاعلية العلاج.

في النهاية قد تشعر ببعض التشكك في فكرة أن القيام بحركات العين عند التفكير في تجربة صادمة يمكن أن يساعد بطريقة ما في تخفيف الذكريات المؤلمة، إلا أن هناك عددًا من الدراسات البحثية التي أثبتت فعالية علاج الاستثارة الثنائية في علاج اضطراب ما بعد الصدمة.

إذ أظهرت الدراسات أن 84%- 90% من ضحايا الصدمة الفردية لم يعد لديهم اضطراب ما بعد الصدمة بعد ثلاث جلسات فقط، مدة كل منها 90 دقيقة. كما وجدت دراسة أخرى، أن 100% من ضحايا الصدمات الفردية و77% من ضحايا الصدمات المتعددة لم يعد يجري تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة بعد ست جلسات مدتها 50 دقيقة فقط، الأمر الذي دفع الكثير من المنظمات المعنية بالصحة النفسية إلى اعتماد علاج الاستثارة الثنائية علاجًا للصدمات مثل الجمعية الأمريكية للطب النفسي، ومنظمة الصحة العالمية، ووزارة الدفاع الأمريكية. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد