تعتمد منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا – بحسب تصنيفات منظمة الغذاء العالمية – بشكل كبير على القمح الروسي والأوكراني؛ فاعتماد المنطقة على هذين المصدرين يقارب 45% بشكل عام، ولكنه يتجاوز 70% لدول بعينها مثل لبنان ومصر، ويتجاوز 60% بالنسبة لدولة مثل ليبيا.

ومن هنا تهدد الحرب الأوكرانية هذه الدول – وغيرها حول العالم – بانقطاع الإمدادات أو جزء منها على الأقل؛ سواء نتيجة لانقطاع إمدادات القمح الأوكراني كنتيجة مباشرة للحرب، أو إمكانية انقطاع جزء من إمدادات القمح الروسي كنتيجة غير مباشرة للحرب، عن طريق العقوبات الغربية على روسيا.

ولكن ما هو واقع «القمح العربي» اليوم؟ كم ينتج العالم العربي من القمح؟ وكم يستهلك؟ وما هي إمكانية أن يصبح العالم العربي مكتفيا في إنتاجه من القمح؟ وهل هناك دولة عربية تستطيع أن تحل محل أوكرانيا وروسيا وتصبح «سلة قمح» لباقي الدول العربية؟

المطرقة والسندان: إنتاج القمح واستهلاكه في العالم العربي

لا تتوافر معلومات وافية لجميع الدول العربية؛ ولذلك فإننا سنقتصر هنا على الدول التي تتوافر فيها البيانات ولو بشكل جزئي، وهي تحديدًا كل من «مصر، الجزائر، العراق، سوريا، اليمن، السعودية، تونس، والسودان، المغرب، الإمارات، ليبيا، لبنان، الأردن، عمان، الكويت، وفلسطين»، ولا يتبقى من الدول العربية من غير المذكورة إلا دول غير ذات شأن كبير زراعيًا؛ إما لصغر حجمها أو عدم توافرها على مناطق كبيرة صالحة للزراعة وهي كل من «قطر، الصومال، جيبوتي، موريتانيا، والبحرين».

لماذا لا يزرع العالم العربي «قمحه»؟

تنتج الدول التي تتوافر لها البيانات مجتمعة، حوالي 26.7 مليون طن من القمح سنويًا؛ بالاعتماد على بيانات عام 2021، بينما تحتاج استهلاك 67.5 مليون طن من القمح سنويا؛ ما يعني أن هذه الدول مجتمعة تحتاج إلى استيراد 60% من احتياجاتها من القمح، قرابة نصفها من روسيا وأوكرانيا كما تقدم.

بالمقارنة مع روسيا التي يتوقع أن تنتج قرابة 90 مليون طن من القمح في عام 2022، فإن دول العالم العربي مجتمعة لا تكاد تنتج إلا 30% من الإنتاج الروسي، أما بالمقارنة بأوكرانيا التي أنتجت 33 مليون طن من القمح في العام الماضي، فإن العالم العربي أيضًا لا ينتج إلا 81% من الإنتاج الأوكراني.

تكمن المشكلة العربية في منحيين، لا منحى واحدًا؛ الأول هو الاعتماد الكبير جدًا على القمح باعتباره مصدرًا للغذاء؛ فالدول العربية تستهلك معدلات قمح مرتفعة جدًا مقارنة بباقي دول العالم، والمنطقة العربية هي الأكثر اعتمادًا عليه في العالم، فعلى سبيل المثال يستهلك التونسيون 700 غرام يوميًا للفرد الواحد، فيما يستهلك المصريون والجزائريون والمغربيون قرابة 600 غرام للفرد يوميًا، بينما المعدل في الهند 400 غرام، وفي فرنسا 320 غرام؛ بحسب بيانات عام 2011.

أما الناحية الثانية فهي مشكلة الاكتفاء والأمن الغذائيين؛ سواء بتعريفهما كقدرة ذاتية على إنتاج القمح، أو بتعريف آخر غير مألوف يركز على القدرة على الإنتاج والشراء معًا؛ على أن تتوافر القدرة اقتصاديًا وسياسيًا؛ إذ من الواضح أن العالم العربي يواجه صعوبات بهذا المضمار في كلا التعريفين، كما تظهر أزمة الحرب الأوكرانية الحالية.

لا يقتصر الأمر على ارتفاع معدلات استهلاك القمح والاعتمادية الضخمة عليه في الغذاء في العالم العربي، بل يواجه العالم العربي أيضًا مشكلة ارتفاع معدلات النمو السكاني فيه؛ فهي أعلى من ضعف متوسط معدل النمو السكاني في العالم، وهو ما يعني ارتفاع ضغط الطلب العربي على القمح خلال العقود الماضية، وعلى الأغلب خلال العقود القادمة أيضًا.

تتفاوت المشكلة بين الدول العربية نتيجة لعدة عوامل: حجم الاستهلاك، ونسبة الاعتماد على الخارج، والقدرة المادية على الاستيراد بدون حدوث مشاكل مالية في الميزانية الحكومية، أو اضطرار للاقتراض.

بناءً على هذا التفاوت يمكن القول إن المشكلة في مصر هي الأكبر؛ لكونها الأكثر استهلاكًا بشكل عام، ورغم أنها تنتج ثلاثة أضعاف إنتاج الجزائر من القمح، فإنها تستورد أكثر من الجزائر بما يقارب 145%.

هناك أيضًا دول تعتمد على الخارج بنسبة أكبر بكثير، مثل الإمارات، الأردن، الكويت، وفلسطين، لكن هذه الدول إما تمتلك موارد مالية ضخمة، أو تستهلك أقل من مصر بشكل ملحوظ، بحيث لا تشكل الحرب الأوكرانية الأزمة نفسها كما هي بالنسبة لمصر والجزائر، فيما تقع دول أخرى مثل لبنان وليبيا في مأزق أكبر نظرًا للظروف الاقتصادية والسياسية في هذه البلدان، مع الاعتمادية الكبيرة على الخارج أيضًا.

ولماذا لا يزرع العالم العربي «قمحه»؟

قد يكون من الممكن التفصيل على نحو كبير لكل بلد عربي على حدة؛ فليست الإجابة واحدة لكل هذه الدول، كما أن الدول العربية ليست متكاملة اقتصاديًا كما يجب، لكننا مع ذلك سنفترض وجود هذا التكامل ونبحث في مسألة «القمح العربي» باعتبار العالم العربي وحدة واحدة.

تُذكر عوامل كثيرة مؤثرة في المسألة، بعضها ذاتي يتعلق بسياسات اتخذتها الحكومات المختلفة، وقد يكون بعضها فُرض عن طريق صندوق النقد مثلًا، أو غيره من المؤسسات الدولية المختلفة، ومعها حسابات السياسة والربح المادي وغيره.

لكن هذا لا يعني أن هناك عوامل موضوعية أخرى قد تكون أكثر أهمية وخطرًا في موضوع القمح، وتمنع من اكتفاء العالم العربي مما يزرع من القمح، وتجعل حصول ذلك في المستقبل أمرًا في غاية الصعوبة أيضًا، لا لأن واحدًا من هذه العوامل وحدها كافٍ لفعل ذلك، بل إن تضافر هذه العوامل جميعًا هو المشكلة.

لكن قبل الشروع في ذلك، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن بلدين من قائمة الدول العربية المذكورة سابقًا قريبتان جدًا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح بحسب بيانات عام 2021. وهما المغرب بدرجة كبيرة، والعراق بصورة أقل، وأيضًا وبحسب لقاء أجراه «ساسة بوست» مع أحد مسؤولي منظمة الغذاء العالمية سابقًا؛ فإن البلدين العربيين الوحيدين الذين يستطيعان (بشكل افتراضي) تحقيق اكتفاء ذاتي من القمح مع فائض يمكن تصديره هما السودان وسوريا، دون إمكانية أن يكفي قمحهما للعالم العربي كله.

ما هي عوامل العجز العربي في إنتاج القمح؟

تبلغ مساحة الوطن العربي بكامل دوله، 13 مليون كيلو متر مربع تقريبًا، ورغم أنها مساحة شاسعة جدًا؛ فإنها لا تمثل إلا 75% من مساحة روسيا، وهي دولة واحدة فحسب! ورغم أن هذه المساحة أكبر بكثير من مساحة أوكرانيا التي تقارب في الحجم دولة مثل الصومال، فإن الأمر يختلف كليًا عند احتساب عدد السكان لكل كيلو متر مربع.

في حالة الوطن العربي فإن كل 34 إنسانًا يسكنون كيلو مترًا مربعًا واحدًا، أما في حالة روسيا فالرقم لا يتجاوز تسعة أفراد، وفي حالة أوكرانيا فالرقم يصل إلى 71، لكن هذا ليس هو المهم، بل المهم هو مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في كل منها؛ لأنها هي المساحة التي تهمنا في مسألة زراعة القمح.

تبلغ نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي 4.5% فقط، بينما تبلغ في روسيا 7.4%، وفي أوكرانيا أكثر من 50%! ما يعني أن أوكرانيا تمتلك 250 ألف كيلو متر مربع صالح للزراعة، بينما تمتلك روسيا 1.26 مليون كيلو متر مربع تقريبًا، ولا يمتلك الوطن العربي إلا 585 ألف كيلو متر مربع.

يمتلك الوطن العربي أراضي صالحة للزراعة أكثر من أوكرانيا، وبضعف المساحة تقريبًا، لكنه أيضًا يمتلك 10 أضعاف عدد السكان، لذلك وباحتساب الأراضي الصالحة للزراعة لكل فرد يظهر أن روسيا لديها 114 فردًا لكل كيلو متر مربع، فيما لدى أوكرانيا 172 فردًا للكيلو متر المربع، بينما يمتلك الوطن العربي 760 فردًا لكل كيلو متر مربع تقريبًا!

ولأن هذه الدول تحتاج لإطعام سكانها قبل كل شيء؛ فإنه يمكننا القول إن الوطن العربي يحتاج لإطعام ستة أضعاف  العدد في روسيا لكل كيلو متر مربع واحد، وأكثر من أربعة أضعاف ما في أوكرانيا، علمًا بأن البلدين بالكاد يشهدان معدلات تزايد سكاني منذ عقود؛ بل يشهدان تناقصًا سكانيًا في غالب الأعوام الثلاثين الماضية، بينما يسجل الوطن العربي واحدة من أعلى نسب التزايد السكاني في العالم.

والمشكلة تظهر أعقد عند تفقد نسب الأراضي الصالحة للزراعة لكل بلد على حدة، فإذا أهملنا جزر القمر (لكونها ثاني أصغر بلد عربي بعد البحرين)؛ سنجد أن سوريا تمتلك النسبة الأكبر من الأراضي الصالحة للزراعة إلى المساحة الكلية، يليها كل من تونس، المغرب، لبنان، والعراق، ثلاث من هذه الدول تشهد حالة من انعدام الاستقرار السياسي والأمني، بل الحرب، وواحدة منهما تشهد حالة من انعدام اليقين السياسي الأقل نسبيًا.

كما أن هذه الدول جميعها صغيرة الحجم مقارنة بغيرها من الدول العربية، فالعراق والمغرب فقط يحتلان مركزًا ضمن أكبر 10 دول عربية مساحة في الوطن العربي، وهما في المركزين التاسع والعاشر أيضًا.

أما أكبر الدول حجمًا فهي تمتلك نسبًا أقل من الأراضي الصالحة للزراعة؛ فالجزائر – الأكبر عربيًا – التي تمتلك 3.2% أراض صالحة للزراعة فقط، ثم السعودية 1.6%، وأخيرًا السودان، وهو الوحيد بين هذه الدول الثلاث الذي يمتلك نسبة أكبر من متوسط الوطن العربي؛ فالنسبة فيه 10.7%.

مشكلة أخرى تتعلق بالتكامل الاقتصادي في الوطن العربي؛ فعند النظر في نسب الأراضي الصالحة للزراعة نجد أن النسب الأكبر من هذه الأراضي في دول لا تمتلك رؤوس أموال كافية للاستثمار بشكل جيد في هذه الأراضي، أو تعاني من أزمات سياسية واقتصادية، أو حتى حروب طاحنة، بينما الدول الأكثر غنى في الوطن العربي لا تمتلك أراضي صالحة للزراعة كافية لسد حاجتها أو حاجة الوطن العربي.

بحسب رئيس البنك الدولي «ديفيد مالباس» فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – التي يمثل الوطن العربي أغلب دولها – هي المنطقة الأقل تكاملًا اقتصاديًا في العالم، فلا يتوقف الأمر عند سوء توزيع الموارد؛ فهذه مشكلة يمكن حلها ولو جزئيًا عن طريق التكامل الاقتصادي بين الدول المختلفة، لكن هذا التكامل مفقود في الدول العربية للأسف.

والمشكلة الأخيرة هي مشكلة المياه، فإذا أرادت الدول العربية رفع الأراضي الصالحة للزراعة فيها على المدى المتوسط فيجب عليها توفير مصادر أكبر من المياه، وخصوصًا المياه المتجددة، لكن الوضع الحالي يمكن توصيفه بالنسب التالية: تحتوي المنطقة على 6.3% من السكان، وتمتلك 1.4% من المياه المتجددة في العالم، والنسبة بينهما 4.5 ضعف.

ومن المتوقع أن يزيد الأمر سوءًا في العقود القادمة؛ فمن الممكن أن تخسر المنطقة من 6-14% من ناتجها المحلي الإجمالي حتى عام 2050 بسبب التغير المناخي، دون احتساب ما قد تفقده مصر من مصادر مياه النيل نتيجة لسد النهضة الأثيوبي – على سبيل المثال.

وحتى في الدول التي قد لا تعاني من اعتمادية كبرى على الخارج في المياه مثل الجزائر؛ فإن كمية المياه التي ستحتاجها لاستصلاح المزيد من الأراضي قد تحتاج لمياه أكثر مما لديها بكثير، ومن المهم أن نعرف هنا أن استيراد الغذاء يعني ضمنيًا استيراد المياه من الخارج؛ فالمياه التي تحتاجها المزروعات المستوردة تعتبر مياهًا مستوردة من الخارج على شكل منتجات زراعية.

وأخيرًا وجود منتجات زراعية أخرى تزاحم زراعة القمح في الدول العربية؛ وتأخذ حصة من الأرض والمياه اللازمة لزراعة القمح، لكن ذلك لا يعني أنه بالضرورة قرار اقتصادي خاطئ؛ فكثير من هذه المنتجات يدر دخلًا أعلى من دخل القمح، وبالتالي يمكن استغلال جزء أقل من الأرض بمردود أعلى يستخدم لاستيراد القمح من الخارج، وهو خيار اقتصادي منطقي.

الاصطفاف السياسي والتكامل الاقتصادي.. هكذا يمكن للوطن العربي الخروج من الأزمة

في ظل هذه العوامل الموضوعية فإن مسألة الاكتفاء العربي من إنتاج القمح بشكل ذاتي شبه مستحيلة في المدى المنظور، والظاهر أن تحديات التغير المناخي ونقصان مصادر الطاقة مثل حالة سد النهضة، ومعها الوضع السياسي والمالي، وضعف التكامل الاقتصادي، تعني جميعًا أن مثل هذا الحل غير ممكن.

وقد لا يكون ثمة حل آخر على المدى القصير غير متابعة ما كان عليه الوضع سابقًا أصلًا؛ مع تنويع مصادر استيراد القمح، وإبرام الاتفاقيات مع أطراف أخرى غير روسيا وأوكرانيا، ومحاولة انتهاز فرص قادمة لملء المخزون القمحي بشكل أكبر مما هو عليه الآن، ولكن كل هذه الحلول مؤقتة وغير مستدامة.

أما الحلول المستدامة فلن تبدأ دون حل سياسي؛ فإذا كان الأمن الغذائي يتحقق بالقدرة على الشراء اقتصاديًا وسياسيًا، فمن الواضح أن الدول العربية اليوم بمجملها لا تمتلك هذه القوة، وهي تحتاج إلى مزيد من التكامل الاقتصادي لخلق مثل هذه القدرة، وربما أيضًا تستطيع إيجاد حلول أخرى لدى جيرانها في أفريقيا، أو حتى بالشراكة مع دول أمريكا الجنوبية أو دول آسيوية أخرى، ولكن هذه الحلول جميعًا تحتاج إلى تغيير سياسي كبير.

كما أن التكامل الاقتصادي حال تحقيقه سيعني قدرة أكبر على تحرير رؤوس الأموال العربية واستثمارها بشكل جيد بما يسمح برفع إنتاج القمح في الدول التي يسمح وضعها السياسي والأمني بذلك. وأخيرًا فإن أحد حلول مشكلة القمح اليوم هي البدء بالتفكير في بدائل عنه، خصوصًا مع كونه أحد الأغذية الأقل فائدة صحية مقارنة بغيره.

المصادر

تحميل المزيد