«أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو. وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقيًّا مما يشينني أمام الله ورسوله والمؤمنين. والله على ما أقول شهيد» مقطع من قسم الاطباء العرب.

لم يكن يدور بخُلد هشام (اسم مستعار) طبيب الامتياز بأحد المستشفيات الجامعية في القاهرة، بينما يصطف في طابور الخزينة للحصول على أول راتب له، بعد أن أبلغوه بأن اسمه لم يحل بعد في قائمة من لديهم بطاقة ائتمان يتلقون مرتباتهم عليها تلقائيًّا، أن أول راتب شهري حكومي سيتلقاه بعد دراسة تربو على ستة أعوام سيكون 230 جنيهًا مصريًّا (حوالي 13 دولار).

حين استفسر عن الأمر أبلغوه أن أطباء الامتياز (السنة السابعة في كليات الطب) ليس لهم راتب وإنما يتلقون مكافأة مالية من المستشفى. تداعت في رأسه الكثير من الذكريات والأحاديث التي رددها من حوله قبل ستة أعوام، حين عرفوا أنه ترشح لكلية الطب البشري، عن الثراء الفاحش الذي بانتظاره، وعما أُطلق عليه مجازًا وعلى سبيل التندر بالعامية المصرية: خمسة عين؛ عمارة وعروس وعربية (سيارة) وعيادة وعزبة، لكنه اصطدم بالأمر الواقع، ولم ينته الطابور الطويل إلا وقد قرر أنه لا مكان له في هذا البلد، وأن عليه أن يتبع نصيحة من سبقوه بالهجرة إلى بلد آخر، حيث يجد الثراء والمعاملة، وسبل النجاح التي لطالما حلُم بها.

بدون إرهاق الدولة ماديًا.. 4 اقتراحات غير مكلفة لتطوير القطاع الصحي في مصر

البداية.. من أجل مجدي يعقوب وأشياء أخرى

تقبع كلية الطب البشري في مصر على رأس هرم «كليات القمة»، وهو المصطلح المتعارف عليه بين الناس للدلالة على الكليات التي تتطلب مجموع درجات كبير في الثانوية العامة (البكالوريا)، مثل الطب، والهندسة، والصيدلة.

يتكون نظام الطب البشري «الحالي» في مصر من ست سنوات دراسة، وسنة امتياز يحصل فيها الطالب على الخبرة اللازمة لمواجهة الواقع العملي بعد ذلك. ثم يحصل على سنة تكليف في إحدى الوحدات الصحية، وبعدها ثلاث سنوات كحد أدنى من أجل امتحانات الماجستير، ثم يُصبح اختصاصيًّا طبيًّا في إحدى مجالات الطب المتعددة.


أطباء داخل غرفة العمليات

تتباين الطرق بين الأطباء بعد الامتياز. فأوائل الدُفعات يلتحقون بنيابة الجامعة بعد الأشهر الأولى من التكليف، وهي التي تَضْمن لهم مسارًا أكاديميًّا متميزًا، وتدريبًا في أحد المستشفيات الجامعية على أيدي الأساتذة المختصين. ومنهم من يفضل السفر بعد سنة الامتياز إلى إحدى الدول الخليجية، للعمل ممارسًا عامًّا رغبة في الحصول على راتب متميز، وهناك من يدرس المعادلة الطبية الأمريكية أو البريطانية، أو يختار السفر إلى ألمانيا، أو غير ذلك من الطرق الأخرى التي يحتاج كلٌ منها إلى مجهود إضافي عوضًا عن سنوات الدراسة السبعة.

اختار هشام كلية الطب بناء على رغبة أهله، الذين ارتأوا أنها تضمن له وظيفة ومستوى ماديًّا مرموقًا من ناحية، ورغبة في أن يصبح مثل طبيب القلب المصري صاحب السمعة العالمية مجدي يعقوب من ناحية أخرى. هذه الرغبة التي تُعد القاسم المشترك بين الكثير ممن يختار أن يكون الطب أول اختيار في قائمة التنسيق.

بعد الدراسة النظرية لست سنوات استقبل هشام سنة الامتياز بأمل كبير في ممارسة الحياة العملية التي لطالما حلُم بها، وهو يرتدي البالطو الأبيض، ويضع السماعة الطبية على عنقه ويتجول في طرقات المستشفى، وبُعيد استقباله لأول شهر في سنة الامتياز كان بانتظاره مفاجأة كبرى.

لا كرامة لطبيب في وطنه

في الرابع والعشرين من مارس (آذار) الماضي، وفي تمام الرابعة صباحًا دخل مريض مصاب بجلطة حادة في الشريان التاجي إلى غرفة قسطرة القلب، الموجودة بمعهد القلب القومي في العجوزة بالجيزة. وقّع أهالي المريض على إقرار بإخلاء المسؤولية عن المعهد؛ نظرًا إلى تأخر الحالة، بدأ الأطباء بشكل عاجل في تركيب دعامات قلبية، وركبوا ثلاث دعامات للمريض بالفعل، لكن  تأخر الحالة حال دون شفائه ما أدى إلى وفاته.

بعد الوفاة بدقائق وفور علم أهل المريض بها؛ اقتحم أكثر من 100 شخص من أهله، غرفة القسطرة وحطموا محتوياتها بالكامل. شاشة كبيرة تُلقى على الأرض، جهازٌ يحطم ويكسر، أسرة تتحطم وأصوات وصرخات. ووسط كل هذه الأجواء المروعة، وفي غياب تام لأمن المستشفى، اضطر الطبيب عمرو سليم الذي كان مسؤولًا عن الغرفة في تلك اللحظات، أن يتنصل بمرارة من مهنته، ويخبر الأهالي بكل خوف أنه «فني» وعامل في المستشفى لأجل تفادي البطش به.


صورة من داخل الغرفة بعد تحطيمها_ مصدر الصورة (مصرواي)

لم تمض بضع ساعات حتى تبين حجم الخسارة الفادحة. أغلى غرفة قسطرة قلب في مصر والتي كانت تعالج 15 حالة يوميًّا تحطمت بالكامل، والخسائر تُقدر بحوالي 15 مليون جنيه على أقل تقدير. تحرر محضر بالواقعة وأُخطرت النيابة لتولي التحقيق، لكن الحادثة فتحت باب نقاش عن الوضع المتردي للأطباء والمستشفيات في مصر.

أرقام لا تكذب ولا تهتم السُلطَات بتجميلها..

يبلغ معدل الأطباء في مصر طبيبًا واحدًا لكل 1500 فرد، وهو العدد الذي يعني عجزًا يزيد بنسبة 400% مقارنة بالمعدلات العالمية، والتي تبلغ طبيبًٍا واحدًًا لكل 350 فردًا. ما نتج منه عجز كبير في مستشفيات وزارة الصحة المصرية، وهو الأمر الذي اعترفت به وزيرة الصحة هالة زايد أكثر من مرة، وحذرت من تدني نسبة الأطباء العاملين في الوزارة إلى 40%.

لا يقتصر الأمر على عدد الأطباء العاملين فقط؛ لأن هؤلاء يقدمون استقالتهم من العمل بشكل متزايد. ولإدراك حجم الأزمة يكفي النظر إلى عدد الأطباء المستقيلين من الوزارة آخر ثلاث سنوات والبالغ 6 آلاف طبيب، بمعدل ألفي طبيب كل عام لأول مرة في تاريخ الوزارة.

تخصصات مثل الطوارئ، والعناية، والتخدير، وجراحة المخ والأعصاب، تشير الإحصائيات إلى عزوف عدد كبير من الأطباء عنها، وفي الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) الماضي، نشرت صفحة «علشان لو جه ميتفاجئش» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، صورة من وزارة الصحة، تشير إلى أن عدد جراحي المخ والأعصاب العاملين في الوزارة على مستوى الجمهورية يبلغ 98 طبيبًا فقط.

الرقم المذكور لا يمكن تصوره – بحسب الصفحة- في دولة يبلغ تعداد سكانها 100 مليون مواطن، ما يعني أن هناك جراح مخ وأعصاب واحد لكل مليون مواطن، ما ينبئ بكارثة كبرى على وشك الحدوث من خلال تناقص أعداد الأطباء داخل وزارة الصحة إلى هذا الحد، ومن ثم ستتحول المشافي الكبرى إلى مجرد وحدات بدائية لا تصلح لإنقاذ الحالات الخطرة، والتي تحتاج لتدخل جراحي عاجل.

الأزمة تبلورت بوضوح في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عند إغلاق وحدة العناية المركزة بمستشفى الصف المركزي بالجيزة؛ نتيجة العجز عن توفير أطباء عناية يعملون بالوحدة. 

120 ألف طبيب خارج حدود الوطن.. مم يهربون؟

كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا عندما سمع هشام صوت سارينة الإسعاف المميز، وهو يقترب بشدة من المستشفى، انتفض هشام والأطباء الذيز كانوا في غرفة الاستقبال، دخلت الإسعاف ومعها دخل عشرات المشاهدين والأقارب وغيرهم، في غياب تام للأمن، وفي داخل غرفة الخياطة كان المصاب ملقى على السرير في حالة تحتاج إلى عناية مركزة بشكل فائق؛ إذ إنه مصاب بكسر حاد في الساق، ورضوض في الجمجمة نتيجة حادث مروري.

لم يملك هشام الكثير ليفعله، أمسك بقدم المريض بينما طبيب العظام يحاول إيقاف النزيف من القدم، أرسله الطبيب إلى بنك الدم للحصول على كيس دم بشكل عاجل، لم تكن هناك عناية متوفرة داخل المستشفى، فالأسِّرة ممتلئة عن آخرها. بعد لحظات مات المصاب بين يدي هشام نتيجة النزيف الشديد، وغياب الرعاية المركزة، تفاجأ هشام باختفاء كل من حوله من الأطباء، ولم يلبث أن وجد اندفاعًا من كل أهل المريض إلى الغرفة.

خلع هشام معطفه بسرعة، ومن حسن حظه أن الأهل لم يكتشفوا أنه طبيب، كسروا زجاج الغرفة، وحطموا كل ما قابلهم، هرب العاملون بالمستشفى من أمامهم وخرج هشام بملابسه العادية سليمًا بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الفتك به، في لحظات الغضب والثورة.

لم يجد هشام من يلقي اللوم عليه، أهم الأهالي، أم العناية، أم الأطباء أم المستشفى ووزارة الصحة، أم نفسه، حلمه القديم بأن يدخل الطب ويصبح مثل مجدي يعقوب؟ كل هذا تداعى في رأسه للحظات، وهو يرى الأهالي حاملين جثة المريض على أكتافهم خارجين به من المشفى في مشهد لم يكن يراوده في أبشع كوابيسه، منذ هذه اللحظة عقد العزم فور انتهائه من سنة الامتياز على الهجرة وإلى الأبد.


صورة متداولة عبر «فيسبوك» لطبيب مصري يحصل على بدل عدوى 19 جنيهًا في الشهر

يبلغ عدد الأطباء المصريين المقيدين في نقابة الأطباء 220 ألف طبيب، منهم 120 ألف طبيب خارج البلاد، أي إن هناك 60% من الأطباء المصريين مغتربون. العدد الأكبر من هؤلاء يعمل في المملكة العربية السعودية، التي تحتوي مستشفياتها على 65 ألف طبيب مصري، برواتب يبلغ متوسطها 30 ألف ريال (135 ألف جنيه مصري)، بينما يحصل الطبيب المصري على ما متوسطه 2200 جنيه بعد سنة الامتياز، شهريًّا.

تدني الرواتب إذن هو أحد أكبر دوافع الهجرة، بجانب بيئة العمل غير السليمة، كما يرى الدكتور محمد سلامة عضو مجلس نقابة الأطباء، الذي يشير إلى أن الطبيب المصري في الخارج يستطيع الحصول على راتب يتراوح بين  3 آلاف إلى 10 آلاف دولار، بينما داخل مصر يتراوح راتبه من 100 إلى 200 دولار. أي إنه في الخارج يتقاضى 100 ضعف راتبه في الداخل.

استقالة بلا تحية.. ما لأجل هذا درسنا الطب

«وزيرة الصحة بجمهورية مصر العربية؛ بلا تحية: أتقدم أنا أخصائي جراحة العظام بطلب استقالتي؛ وذلك لما آلت إليه مهنة الطب من تدني في كل صدد، من المرتبات الهزيلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، إلى المعاملة السيئة من الإدارات والمديريات وداخل ديوان الوزارة» جزء من استقالة طبيب مصري منشورة عبر «فيسبوك»

بعد سبع سنوات من دراسة الطب، بالإضافة إلى فترة التجنيد التي تتراوح بين عام وثلاثة أعوام، لا يتبقى للطبيب المصري الكثير من الخيارات، فإما السفر إلى الخارج، وهو الأمر الذي يحتاج إلى دراسة معادلة طبية، أو لغة أجنبية كالألمانية من البداية، وإما العمل داخل مصر تحت مظلة وزارة الصحة براتب لا يكفي الطبيب وحده، فضلًا عن زوجته وأولاده في حال فكر في الزواج.

الخيار الثالث لا يبدو سهلًا على الإطلاق، لكن بعض الأطباء يضطرون إليه، وهو الاستقالة من وزارة الصحة كما فعل طبيب العظام المذكور أعلاه، والعمل بشكل حر داخل مصر. وهو الخيار الذي اختاره 24 ألف طبيب يعملون داخل البلاد بشكل حُر.

كل هذه الأرقام تنبئ بأزمة كبرى على وشك الحدوث، ما لم تتدخل الدولة رسميًّا وعاجلًا؛ لتحسين بيئة عمل الأطباء، فضلًا عن رفع مرتباتهم وزيادة بدل العدوى البالغ 19 جنيهًا فقط (حوالي 1 دولار)، وتوفير حماية أمنية داخل المستشفيات كما يوضح الدكتور هشام شيحة وكيل أول وزارة الصحة السابق.

حوادث الاعتداء على الأطباء تبدو متكررة في ظل بيئة العمل هذه، إذ جرى الاعتداء على طبيب الاستقبال بمستشفى الوراق أحمد حسن عبد الرحمن من الأهالي بالضرب وتقطيع ملابسه نتيجة عدم توافر أسرة رعاية أطفال في المستشفى، وقد نشر تفاصيل الحادثة عبر صفحته على «فيسبوك»:

#مسلسل_الاعتداء_على_الأطباءفي ظل استمرار مسلسل الاعتداء على الاطباء في أماكن عملهم الحكومية، تعرضت اليوم مع أطباء…

Geplaatst door Ahmed Hassan Abdelrhman op Donderdag 29 november 2018

الجدير بالذكر أن مستشفيات وزارة الصحة يجري تأمينها من خلال شركات أمن خاصة، وليس من خلال وزارة الداخلية المصرية. «وعليه فلقد اعتبرت أن مهنة الطب في مصر أصبحت مهنة وضيعة، لا ترقى أن تكون مهنة لشخص اجتهد طول حياته، وضحى بالغالي والنفيس ليضمن عيشًا كريمًا له ولأسرته» ختام الاستقالة الموجهة لوزيرة الصحة.

لماذا تقدمت كوبا وتأخرت مصر؟ ورقة بحثية بحلولٍ مقترحة لملف الصحة في مصر

المصادر

تحميل المزيد