على الرغم من سقوط الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينات القرن الماضي؛ وتآكل نفوذ موسكو في العالم؛ وخسارتها للسيطرة المباشرة على أراضٍ واسعة كانت تابعة للاتحاد؛ إلا أن روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي، ظلت تمتلك أوراقًا تكسبها مكانة عالمية، وعلى رأس تلك الأوراق امتلاكها لأكبر احتياطي للغاز في العالم، وكونها ثاني أكثر الدول إنتاجًا له، كما أنها ثالث أكبر منتج للنفط أيضًا، وسادس أكبر منتج للفحم الحجري نهاية.

ورغم المساعي العالمية لإنهاء الاعتماد على هذه الأنواع من الطاقة غير المتجددة؛ إذ تعتمد المرافق في جميع أنحاء العالم على الطاقة المائية لتوليد الكهرباء، فضلًا عن الاتجاه للتوسع في إنتاج الطاقة الشمسية، إلا أن هذه المساعي ما زال أمامها سنوات طويلة لتنجح في ذلك.

وبالتالي لا تزال موسكو تحتفظ بورقة النفط سلاحًا في مساومة الغرب والضغط عليه، رغم سعي أوروبا لإيجاد بدائل للطاقة الروسية، وضمن هذا السياق يأتي اتفاق الاتحاد الأوروبي مع كل من مصر وإسرائيل في 15 يونيو (حزيران) 2022 لاستيراد الغاز الإسرائيلي عبر مصر، بالإضافة إلى سعي أوروبا الحثيث للوصول لاتفاقات أخرى شبيهة رغم انعدام جدوى هذه الاتفاقات اقتصاديا إذا ما قورنت باستيراد الغاز الروسي، ويتزامن كل هذا مع توجه أوروبا للعودة لاستخدام الفحم الحجري الأكثر ضررًا على البيئة؛ نتيجة لتقليل تدفق الغاز من روسيا؛ وقد حصل ذلك الاتجاه على موافقة بعض أشرس المعادين لاستخدام الفحم الحجري.

وتتمحور المشكلة التي تشغل عقل أوروبا حاليًا حول الغاز الذي تعتمد عليه القارة العجوز أكثر من غيره، والذي لا تستطيع استبداله لا في الوقت الحاضر، ولا في المستقبل القريب؛ ويتخلف ذلك كثيرًا عن النفط الروسي الذي على أهميته الكبرى لأوروبا بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل خطوات لمنع استيراد 90% من النفط الروسي بحلول نهاية عام 2022.

وتأمل أوروبا (بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية) أن تستطيع تعميم موقفها من روسيا في العالم؛ بهدف عزل روسيا عن الاقتصاد العالمي، ومنعها من التجارة مع دول أخرى؛ خصوصًا الدول التي لا تقع ضمن محيط روسيا وتأثيرها، وخصوصًا إذا كانت هذه الدول ذات حجم كبير وتأثير عالٍ في الاقتصاد العالمي. 

لهذا السبب اتجهت الأنظار نحو ثاني أكبر اقتصاد في العالم – الصين؛ والتي يعلم الغرب أنها ليست في صفه حاليًا، ولكنه أَمل أن يُحِدَّ من دعمها الاقتصادي لموسكو، كما أَمل في عدم مساعدة روسيا في تفادي العقوبات؛ ولكن الاعتراف العالمي (بما في ذلك الغرب) بأهمية الطاقة الروسية أبقى مجالًا للصين لتجنب وقوع شركاتها في فخ العقوبات بسبب التعامل مع روسيا؛ بل أصبحت روسيا أكبر مصدر للنفط للصين، بعد أن زادت صادرات روسيا من النفط إليها بنسبة 55% عن نفس الفترة من العام السابق.

ولا يقتصر الأمر على الصين، بل إن عملاقًا آسيويًا آخر دخل على خط شراء الطاقة الروسية، واستبدال ما خسرته موسكو من مشتريات الغرب وحلفائه، وهذا اللاعب الجديد الذي يزعج الولايات المتحدة رغم عدم خرقة للعقوبات هو الهند. 

لماذا تشتري الهند الطاقة الروسية؟

يوفر إعفاء قطاعات الطاقة الروسية من العقوبات الغربية المفروضة على موسكو فرصة للتعامل مع روسيا دون الخوف من الوقوع تحت طائلة العقوبات، وفي نفس الوقت لا يمكن للغرب تعميم عقوباته وإلغاء هذه الإعفاءات دون دفع ثمن باهظ جدًا فيما يخص الاقتصادات الغربية والاقتصاد العالمي بشكل عام، في ظل الاعتماد الكبير على الطاقة الروسية في الاتحاد الأوروبي؛ أحد أكبر الداعين والفارضين للعقوبات؟

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

لكن هذا ليس السبب الوحيد الذي يشجع الهند على شراء الطاقة الروسية؛ إذ يُباع النفط الروسي اليوم على سعر أقل بنسبة 30% من سعر خام برينت – المعتمد لتحديد أسعار النفط العالمية، فبينما كان متوسط سعره بين منتصف أبريل (نيسان) ومنتصف مايو (أيار) 2022 أقل من 75 دولارًا للبرميل، لم ينخفض سعر خام برينت منذ منتصف أبريل عن 100 دولار للبرميل الواحد، وهو يباع الآن بأكثر من 110 دولارات للبرميل، بعد أن وصل حتى 120 دولارًا خلال شهر مايو، وعاد لنفس السعر مرة أخرى خلال يونيو الحالي.

لذلك فإن النفط الروسي اليوم مغرٍ جدًا للاستيراد بالنسبة إلى دولة مثل الهند، فطالما ليست هناك عقوبات مفروضة على استيراد النفط الروسي فلم لا تشتري نفطًا رخيصًا، خصوصًا أن الهند ليست دولة أوروبية، ولا ترى لنفسها علاقة بالحرب الدائرة في أوكرانيا، ولا مصلحة لها بالمشاركة في معاقبة موسكو، بل من مصلحتها شراء نفط روسيا الرخيص. 

لهذه الأسباب تضاعف الاستيراد الهندي من النفط الروسي والفحم الحجري كذلك، وإن بشكل أقل، وأصبحت الهند مصبًا مهمً ا لاستيعاب الفائض الذي خلفته مقاطعة أوروبا للنفط الروسي، وأحد طرق تجنب آثار هذه العقوبات، دون ضرر على الهند في نفس الوقت. 

بحسب رويترز فلم يتعد استيراد الهند للنفط الروسي 84 ألف برميل نفط في اليوم الواحد في عام 2021، وهو ما يمثل 2% فقط من احتياجات الهند اليومية، ولم تشترِ الهند إلا 30 ألف برميل في شهر فبراير (شباط) 2022 قبل بدء الحرب، ولكنها أصبحت تشتري بمعدل مليون برميل نفط كل يوم في يونيو 2022 بحسب Wall Street Journal.

وتمثل الزيادة 12 ضعفا لنسبة لمتوسط ما كانت تستورده الهند عام 2021، و33 ضعفًا لما كانت تشتريه الهند بالنسبة لعدد البراميل المستوردة في شهر فبراير 2022، قبيل الحرب الروسية على أوكرانيا، وهي زيادة كبيرة بشكل لافت، بما يمثل ربع احتياجات الهند التي لم تكن تعتمد، بحسب بيانات الأعوام بين 2017-2021، على روسيا بأكثر من 1.5% من احتياجاتها النفطية، وبما قيمته 7.22 مليار دولار.

بينما استوردت الهند في الأشهر من مارس (آذار) حتى يونيو 2022 ما قيمته 3.7 مليار دولار، وهو نصف استيراد السنوات الخمسة المذكورة، لتصبح بذلك سادس أكبر مستوردي النفط الروسي في فترة ما بعد الحرب، وربما تزيد النسبة لاحقًا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فالهند تزيد من استيرادها من الفحم الحجري الروسي أيضا، والذي يباع بأقل بـ30% من سعره العالمي أيضا؛ فقد تضاعفت مشترياتها من الفحم ست مرات في الفترة بين 25 مارس مايو و15 يونيو 2022 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، وهي لا تزال مرشحة للازدياد طالما كان سعر الفحم الحجري الروسي أرخص من غيره. 

لكن من المهم للغرب ممثلًا بالولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما ألا تستطيع روسيا تعويض خسائرها من انخفاض الاستهلاك الأوروبي من النفط الروسي عن طريق دول أخرى مثل الصين والهند، وخصوصًا في ظل الارتفاع الكبير لأسعار النفط العالمية عما كانت عليه في السنتين الماضيتين، والذي لم يزد عن 50 دولارًا في أغلب عام 2020، ولم يتجاوز 85 دولارًا في عام 2021 بالمجمل؛ ما يعني أنه وحتى لو انخفض الاستيراد فارتفاع سعر النفط سيعني تعويضا ولو جزئيًا لروسيا، حتى لو كان النفط الروسي أرخص من خام برينت العالمي. 

وما يزعج الغرب بشكل كبير أن الموقف الهندي المنخرط في التجارة مع روسيا جاء بعد موقف سياسي هندي لم يشارك في إدانة الحرب الروسية في أوكرانيا، بالإضافة إلى الإبقاء على علاقات عسكرية مع موسكو، فلم تقف نيودلهي عند حد تعويض موسكو عن العقوبات، بل هناك احتمال أن تعمل نيودلهي على تقوية العملة الروسية عن طريق شراء بها في المستقبل، وقد يضعف ذلك الدولار كعملة أساسية لتداول النفط، بل أساسية للتداول والتجارة في العالم. 

وتدافع الهند عن موقفها أمام الغرب، بأن أوروبا ما زالت المشتري الأكبر للنفط الروسي، وإذا كان الخوف من أن شراء النفط الروسي يعني تمويل الحرب في أوكرانيا فلماذا لا تتوقف أوروبا بشكل كامل عن شراء الطاقة الروسية؟

كما تتهم الهند الولايات المتحدة بأنها أغلقت جميع السبل أمام الهند، وغيرها من الدول، إلى النفط، وأن السياسات الأمريكية سبب رئيس في أزمة ارتفاع أسعار الطاقة في ظل منعها دخول النفط الفنزويلي والإيراني للسوق العالمية، ومحاولة منع دخول النفط الروسي أيضًا، فما الخيارات الأخرى أمام الهند وغيرها من الدول في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا والرغبة المنطقية بتقليل التكاليف؟ 

مستقبل وردات الهند من الطاقة الروسية

مثل غيرها من الدول؛ تعاني الهند من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، فحتى أسعار النفط الروسي قد تكون مرتفعة مقارنة بأسعارها في أوقات سابقة، ومن المنطقي افتراض أن الهند ستبقي على محاولة تخفيض هذه التكاليف عن طريق شراء النفط الروسي طالما استمرت الأزمة الأوكرانية والعقوبات على روسيا.

Embed from Getty Images

النفط الروسي

وحتى الآن ليس للغرب أي أساس قانوني لمعاقبة الهند وشركاتها على شراء النفط والفحم الحجري الروسيين، ولا يبدو أن مثل هذا الأمر يمكن حصوله في الفترة القادمة أصلًا؛ فالسوق العالمية لا تحتمل خروج عملاق مثل روسيا من مجال الطاقة، وأوروبا تحديدًا تعتمد كثيرًا على الطاقة الروسية وليست هناك بدائل متوفرة بشكل سريع للنفط الروسي تغطي كل الاحتياجات، ولا في المستقبل القريب.

لكن الاستمرار في شراء الطاقة الروسية قد يكون صعبًا على الشركات الهندية؛ بسبب صعوبة تمويل هذه المشتريات عن طريق البنوك الروسية، والمفروض عليها عقوبات غربية، بالإضافة إلى نأي الشركات والبنوك الهندية، مع الوقت، عن التعامل مع شحنات النفط الروسية.

وقد تضطر الهند لأجل ذلك طوعًا لبناء نظام دفع باستخدام العملات المحلية مع روسيا؛ ما يعني بدء شراء النفط الروسي بالروبل الروسي، وهو ما يمكن توفيره بسهولة ودون أن تعوقه العقوبات الغربية، وهو مشابه لما فعلته شركات أوروبية بالفعل، مع إصرارها على عدم خرق ذلك للعقوبات، وسيكون صعبًا أن يفرض على الشركات الهندية ما لا يفرض على الشركات الأوروبية. 

والخلاصة أنه ما لم تفرض عقوبات ثانوية على الدول المشترية للطاقة الروسية، بكل ما في ذلك من تكلفة تطول الدول الغربية نفسها؛ فإن الهند ستسمر بشراء الطاقة الروسية إن لم تزد من مشترياتها منها، فالفائدة الاقتصادية أكبر من أن تتخلى عنها الهند ودول أخرى لصالح الدول الغربية دون مقابل.

وهذا يعني أن الهند مع الصين وربما دول أخرى في آسيا تعطي الاقتصاد الروسي أنبوب أوكسجين بديلًا عن السوق الأوروبية، كما تعطي مزيدًا من الدعم لقيمة الروبل في السوق، ومع تهديد النظام المالي العالمي المبني على الدولار بشكل أساسي؛ وهو أمر عبر عن التخوف منه مسؤول أمريكي بالفعل محذرًا الهند من عواقب ذلك. 

هل تهدد الهند مستقبل الدولار كعملة للعالم؟

يمثل الدولار أغلب فواتير التجارة العالمية والديون في العالم؛ إذ إن 60% من احتياطات العالم الأجنبية مقومة به فقط، وهو بذلك أقوى عملة في العالم، وأكثرها استخدامًا على الإطلاق، ولهذا السبب استطاعت الولايات المتحدة تسليح دولارها على شكل عقوبات أجنبية؛ بمنع الدول التي ترغب بمعاقبتها من النفاذ إلى الدولار أو استخدامه، وتجميد الأرصدة وربما المصادرة حتى، فهذه الاحتياطات الأجنبية تخزن بالغالب خارج البلد المالك لهذه الاحتياطات، وبالتالي يمكن الولايات المتحدة مع حلفائها من منع الدول من استخدام هذه الاحتياطات. 

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

لذلك تسعى دولة مثل الصين ومعها كل من روسيا، وفنزويلا، وإيران، وكوريا الشمالية؛ أي الدول التي تعاني من العقوبات الغربية، أو التي قد تعاني منها لاحقًا بسبب سياساتها الخارجية، للتخلص من سيطرة الدولار عالميًا، ولكن ذلك لا يتأتى إلا باستخدام عملات أخرى على المستوى العالمي. 

لكن بيانات الدفع العالمية تظهر أن العملة الصينية لا تستخدم إلا بنسبة قليلة جدًا في العالم، ولا تصل حتى إلى 3%، بينما يشكل الدولار واليورو أكثر من 70% من هذه العمليات، وتحتل العملة الصينية المرتبة الرابعة بحسب هذه البيانات، رغم كونها المرشح الأقوى لجعل عملتها بديلًا للدولار، وربما بمساعدة من الروبل وغيره من العملات التي ما تزال تستخدم على نطاق ضيق جدًا في العالم مقارنة بالدولار واليورو. 

يلعب الدولار هذا الدور في العالم لأن الولايات المتحدة تمتلك أكثر الأسواق المالية عمقًا ومرونة في العالم، وأكثر التنظيمات وضوحًا، ونهاية أقل الأنظمة المالية تمييزًا بين مواطنيها والأجانب، ولكي تستطيع عملة أخرى احتلال هذا الموقع عليها أن تلعب نفس الدور الأمريكي، وهو ما لا يمكن حصوله في دول مثل الصين وروسيا ضمن سياساتها الاقتصادية الإستراتيجية الحالية، والتي لا يمكن لها التوافق مع مثل هذه المحددات في الولايات المتحدة بسبب طبيعة الاقتصاد التي تفرض المركزية بيد الدولة، وضرورة التحكم بتدفق رؤوس الأموال مثلًا.

ومع ذلك فالعقوبات المفروضة حاليًا على موسكو تقلل من هذه الميزة في الاقتصاد الأمريكي؛ وخصوصًا بشمولها لاقتصاد كبير مثل الاقتصاد الروسي، وتخوف دول أخرى ضخمة مثل الصين، من عقوبات قادمة في ظل النزاع بين بكين والغرب على قضية تايوان، لكن هل تشارك الهند في تلك المسيرة التي تريد إنزال الدولار عن عرشه؟

ببساطة يعني الانتقال من استخدام الدولار واليورو لاستخدام العملات المحلية؛ (وهو ما قد يكون ضروريًا للهند اليوم لشراء الغاز الروسي) تقليل استخدام الدولار في التجارة العالمية، وهو ما يعني إمكانية المساهمة في تراجع مركز الدولار في النظام المالي العالمي.

وقد لا يكون هذا مرغوبا سياسيا بالنسبة للهند نظرًا لخصومتها مع الصين؛ ولكن مقتضيات الاقتصاد الحالية قد تدفعها للمساهمة في ذلك، دون أن يعني هذا أن «موت الدولار» الذي جرى التبشير به كثيرًا في السابق سيحصل في المستقبل القريب، ولكنه يعني بالضرورة أن العقوبات الغربية والأمريكية تحديدًا قد تساهم بالإضرار في مركزه كعملة عالمية، وقد تساهم أيضًا في ضرب ثقة الأجانب بمركزية الدولار، فعندما تستطيع دولة ما أن تقرر سياسيًا أن أموال دولة أخرى لا تعني شيئًا؛ فهذا بالضرورة خطر على هذه الدولة.

وبالطبع لا تتشارك الهند مثل هذه الطموحات اليوم، ولا يعنيها استبدال الدولار بالعملة الصينية مثلًا، ولا ترغب برفع استخدام الروبل على حساب الدولار، بل قد تفعل ذلك بموجب مصالحها الاقتصادية الذاتية البحتة، والتي تعني تكلفة أقل للطاقة، وهذا يعني أيضًا المشاركة في تقليل مركز الدولار ولو دون رغبة في ذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد