«انظر أيها القاضي إلى ملامحه البريئة.. هل تبدو لك ملامح قاتل؟»؛ تلك الجملة الكليشيه التي سمعناها كثيرًا في الأعمال الدرامية على لسان محامي الدفاع عن القاتل في المحكمة، مستعينًا بملامح المتهم بوصفها دليلًا من الأدلة، وكأن تلك الملامح يصعب أن ترتكب جريمة، طالما كانت ملامح طفولية أو وسيمة.

الأمر ليس متعلقًا بالدراما فقط وليس خياليًّا، ربما لا يستخدم المحامون تلك الحجة لتبرئة موكليهم من جرائم القتل على أرض الواقع، ولكن الرأي العام قد يكون له وجهة نظر أخرى، فأكثر من قاتل متسلسل وسيم الملامح في أمريكا، حظي بالكثير من المعجبات والمتعاطفين، ليس لسبب سوى وسامته وجاذبيته، فلماذا يتعاطف الناس وقد تنجذب بعض النساء في العالم بأسره وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي للقاتل الوسيم؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير من خلال علم النفس.

«متلازمة القاتل الوسيم»

عُرض المسلسل الوثائقي «Conversations with a Killer: The Ted Bundy Tapes» على شبكة «نيتفلكس»، والذي يتناول ويحكي قصة القاتل المتسلسل الأمريكي تيد بندي وكواليس محاكمته، وإذا شاهدت تلك السلسلة ستلاحظ أنه أثناء المحاكمة تحضر بعض النساء المعجبات به والمدافعة عنه. بعضهن لا يصدق من الأساس أن هذا الرجل الوسيم قادر على ارتكاب تلك الجرائم، ويدافعن عنه مقتنعات ببراءته، لم تقابل أي واحدة من هؤلاء تيد بندي من قبل، وتلك القناعة ببراءته، بُنيت في أذهانهن بناءً على مظهره الخارجي فقط.

بعد عرض المسلسل لاحظ بعض علماء النفس أن الأمر لم يتوقف عند النساء اللاتي دعمن تيد بندي أثناء محاكمته من سنوات طويلة؛ بل امتد الأمر إلى النساء والمراهقات الذين شاهدوا المسلسل، وتمنوا لو أن تيد بندي على قيد الحياة حتى يكون متاحًا لدخول علاقة عاطفية معهن!

وهذا ما أكده الكاتب كيفن سوليفان، صاحب كتاب «The Trail of Ted Bundy: Digging Up the Untold Stories»، والذي يطلق عليه الإعلام «الخبير في تيد بندي»؛ وأوضح أن جاذبية تيد بندي ما زالت مؤثرة في النساء حتى وقتنا هذا، وقد ظهرت العديد من المقاطع المصورة لنساء على تطبيق «تيك توك» يحاولن فيها تجسيد أنفسهن على أنهن ضحايا لتيد بندي، أو مؤيدات له.

فعلى سبيل المثال تعد كارول آن بون خير تجسيد لنظرية الانجذاب للقاتل الوسيم؛ إذ كانت من أكثر المعجبات بتيد بندي وقت محاكمته، وانتقلت من ولاية واشنطن إلى ولاية فلوريدا لتكون قريبة منه خلال محاكمته، وقد تزوجته في الفترة التي كان متهمًا فيها بأنه قاتل متسلسل، وأنجبت منه طفلة؛ إذ كانت كارول تؤمن ببراءة بندي وكانت تدَّعي أنه قد تعرض للخداع وتلفيق التهم له، وفي محاكمته الأخيرة عام 1980 أدلت كارول بالشهادة نيابة عنه في المحكمة!

«أحببن ما يمكن أن يكونه.. وليس ما هو عليه بالفعل»

في حالة كارول لا يندرج الأمر تحت بند الظاهرة النفسية المسماة «hybristophilia» أو الانجذاب الجنسي والعاطفي للأشخاص الذين يرتكبون الجرائم، والتي ربما تفسر رد فعل النساء والمراهقات الآن المنجذبات لتيد بندي بعد أن ظهر في الإعلام بشكل مؤكد على أنه قاتل متسلسل؛ لأن كارول لم تكن تصدق من الأساس أنه ارتكب تلك الجرائم. ومن تعامل مع تيد بندي على أرض الواقع يؤكد أنه يمتلك كاريزما وسحر وثقة قوية في النفس، وقدرة كبيرة عن التعبير عن نفسه بشكل جذاب، كما أن ابتسامته ساحرة، الأمر الذي يجعل من الصعب تصديق أن هذا الرجل الواقف أمامهم قد ارتكب تلك الجرائم الدموية.

في كتابها «Women Who Love Men Who Kill» تقول الكاتبة شيلا إيزنبرج إن كارول لم تكن تحب تيد بندي الحقيقي، بل كانت تحب شخصية أخرى من خيالها تلائم صفاتها مظهره الخارجي، فهي – كارول- أحبت ما يمكن أن يكون بندي عليه، وليس ما هو عليه بالفعل.

وفي هذا الكتاب حاورت شيلا مجموعة من النساء المتورطات في علاقات عاطفية مع مجرمين داخل السجن،  وما لاحظته فيهن جميعًا أنهن لا يصدقن أن هؤلاء الرجال قد ارتكبوا تلك الجرائم بالفعل، وأشارت شيلا في كتابها أن ما لاحظته يجمع بين هؤلاء النساء أن كل واحدة منهن قد تعرضت للإساءة في طفولتها، ولديها حاجة ماسة لأن تحب أشخاصًا يصعب الاستمتاع بعلاقة سهلة ومريحة معهم، وربما يكون السبب أن تحديات العلاقة الصعبة تكون أكثر إثارة لبعض الناس.

«تأثير هالة القداسة»

ريتشارد راميرز قاتل متسلسل آخر عرضت شبكة «نيتفلكس» سلسلة قصيرة عن جرائمه ورحلة بحث الشرطة عنه ومحاكمته تحت اسم «Night Stalker: The Hunt For a Serial Killer»، لكن تلك الحلقات لم تستعرض قصة دورين ليوي، والتي كانت من أكثر المتحمسين والمدافعين عن راميرز، وأصرت على الزواج منه في عام 1996 أثناء محاكمته بتهمة قتل 14 ضحية.

وقد أخبرت ليوي الإعلام بأنها عندما رأت صورته وقعت في حبه بجنون، وشعرت بأنه بحاجة لصديق وليس مجرمًا، وبدأت الدفاع عنه، مصرة على أنه لا يمكن أن يكون ارتكب جرائم القتل أو الاغتصاب التي وجهت إليه، ووصفته بكونه ساحرًا ومضحكًا ولطيفًا، وعلى الرغم من الأدلة الدامغة على جرائمه الدموية كانت تقول: «أنا أؤمن به تمامًا»، وتزوجته بالفعل، ودائمًا ما كانت تؤكد أنها لم تر به أي شر أو عنف.

يوضح طبيب الأمراض النفسية محمود جاويش لـ«ساسة بوست»، أن علم النفس رصد بالفعل علاقة قوية بين شكل الإنسان وتقييم الآخرين لسلوكه، وهي ظاهرة يطلق عليها علم النفس «تأثير هالة القداسة»، وتلك الظاهرة تعني «إضفاء صفة الجودة على مجمل الشيء بناءً على عامل واحد جيد»، في هذه الحالة يكون مظهر الشخص أو وسامته. وهذا التأثير يحدث تلقائيًّا لدى البشر عندما يرون شخصًا وسيمًا فيبدؤون في إضفاء بعض الصفات الأخرى التي ليس من المؤكد أنه يملكها وشخصًا «الطيبة» و«الحنان»، و«الكرم».

تلك الظاهرة كانت مثارًا لاهتمام علماء النفس، وأجريت أبحاث عدة لمحاولة اكتشاف طبيعة تلك الظاهرة، وربما تكون الدراسة الأكثر لفتًا للنظر – بحسب جاويش- هو بحث أجري عام 1974، على مجموعتين من المشاركين، وأعطوا كل مجموعة مقالًا ومعه صورة لكاتبة المقال، المجموعة الأولى مُنحت صورة لكاتبة جميلة الملامح، بينما المجموعة الثانية عرضوا عليهم صورة لسيدة أقل جمالًا، بتكرار التجربة أكثر من مرة، لاحظ علماء النفس أن المشاركين يمنحون الكاتبة الأكثر جمالًا تقيمًا أعلى، رغم أن المقال كان واحدًا في البحث، والصورة وحدها هي التي تغيرت، ومن هنا وثقت في علم النفس تعبير ما يعرف بـ«هالة القداسة».

وأكد علم النفس-بحسب جاويش-  أن البشر دون وعي منهم قد يقيمون جميع صفات الطرف الآخر، بناءً على صفة واحدة فقط هي الشكل الخارجي، وكلما كان الشخص وسيمًا كان التماس العذر له أسهل على الآخرين، لكن ما السبب؟

يخبر جاويش «ساسة بوست»، بأن الباحثين في تلك الدراسة أشاروا إلى أن الأمر له علاقة بتطور الإنسان، وبعض الصفات البدائية التي لم يتخلص منها في رحلة تطوره، ففي مملكة الحيوان بشكل عام، تختار الأنثى شريكها على أساس الشكل خضوعًا لفكرة أن الشكل الأفضل سيكون ذا جينات أفضل وصحة أفضل، ومن ثم هو شريك أفضل لإنتاج سلالة جيدة.

هل تنجذب النساء حقًّا للـ«باد بوي»؟

في بعض الرسائل التي أرسلت لريتشارد – القاتل المتسلسل-  كان يبدو من كلمات النساء وصورهن أنهن يصدقن بالفعل أنه قاتل، لكنهن على الرغم من ذلك يقفن في صفه، بل يعرضن أنفسهن عليه.

فهل هناك أسباب نفسية قد تفسر انجذاب بعض النساء للشخص العنيف أو الـ«باد بوي»؟  وهل هذه الظاهرة حقيقية من الأساس؟

يخبر جاويش «ساسة بوست» أن تلك القضية مازالت محل نقاش وخلاف في علم النفس، وهناك آراء مختلفة حول أسباب هذا النوع من الانجذاب في حالة وجوده. فمن وجهة نظر جاويش  أن الرجل يظهر بمظهر الـ«باد بوي» أو الشخص السيئ العنيف؛ يكون في نظر المرأة قد استطاع أن يفرض واقعه الخاص على المجتمع ولم يلتزم بقواعده، وأنه قد وصل لقمة التحرر من قيود «رأي الآخرين»، وأصبح حرًّا فيما يفعله.

تلك الصورة قد تكون مثيرة للإنسان في مرحلة المراهقة أو في المرحلة التي لم يصل فيها للنضج الشخصي الكافي، والمرأة قد تريد أن تكون مع هذا الرجل الذي تمرد على المجتمع وقيوده، لأن هذا هو طموحها لكنها لا تستطيع أن تنفذه بنفسها. وعندما تصبح في علاقة مع هذا الشخص؛ تظن أنها قد اصبحت مثله وأنها قد تحولت إلى «باد جيرل» متمردة لا تخضع لأحد، في حين أنها لم تفعل شيئًا على أرض الواقع يؤهلها لذلك.

وهناك تفسير آخر – يوضحه جاويش- وهو الرغبة في إصلاح هذا الشخص، وشعورها بالتحدي أنها لديها القدرة على تخليصه من الصفات السيئة أو الإجرامية فيه.

القاتل المتسلسل ريتشارد راميرز

لكن نظرية الانجذاب إلى الباد بوي» قد تنطبق على النساء اللاتي نشرن مقاطع مصورة على منصة «تيك توك» معبرات عن إعجابهن بتيد بندي بصفته مجرمًا وشخصًا سيئًا، فتلك المرأة التي تصنع هذا المقطع المصورة هي مدركة أنه مجرم وأنه قام بأشياء سيئة، لكن يبدو الأمر مثيرًا لها من بعيد.

لكن المرأة التي تدافع عن القاتل المتسلسل لأنه وسيم وتتزوجه لأنها عندما تنظر له لا ترى فيه الشر، تفعل ذلك بسبب «الهالة المقدسة» التي تحدث عنها جاويش؛ وهذا أمر ربما يكون أكثر خطورة، فتلك المرأة تتعامل مع رجل لا تعرف من هو ولا تدرك هويته الحقيقية من الأساس.

ومن هنا يمكن القول بأن الانجذاب للمظاهر أمر مرتبط بالبشر حتى وقتنا هذا، وقد ساعدت مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام أحيانًا على تعزيز تلك الظاهرة في نفوسنا، لكن هل يمكن لك عزيزي القارئ أن تتعاطف مع قاتل أو مغتصب؛ لمجرد أنه وسيم؟ هذا هو السؤال.

علوم

منذ 3 سنوات
هل الشكل مهم؟ هكذا تتغير تصرفاتنا وفقًا لمظهر الآخرين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد