تداولت مواقع السوشيال ميديا، وبعض المواقع الصحفية العربية في الأيام الماضية، أسعار تذاكر بعض حفلات المطربين المشاهير في مصر، والتي وُصِفت بأنها أسعار خيالية ومبالغ فيها، إذ تراوحت بين 5 آلاف جنيه وصولًا إلى 30 ألفًا، علاوةً على بعض الاشتراطات الأخرى لحضور الحفل، مثل ارتداء لون ملابس معين؛ على جانب آخر، جاءت صور حفل المطرب محمد منير الأخيرة في مدينة الإسكندرية، والتي ترواحت فيها أسعار التذاكر بين 250 و450 جنيهًا، وكم الحضور الذي اصطف أكثرهم من بداية اليوم (من الساعة الثانية عشر ظهرًا تقريبًا) لحجز مكانٍ قريبٍ من المسرح من أجل رؤية منير عن قرب في الساعة الحادية عشر مساءً، لتطرح مع المثال الأول سؤالًا مهمًّا: لماذا نبذل الجهد وننفق الأموال لرؤية المشاهير الذين نحبهم؟

فالأمر لا يتوقف عند الحفلات الغنائية فقط، بل إن طوابير القراء من أجل الحصول على توقيع كاتب مشهور، في معارض الكتاب، بكل ما قد تحمله انتظار في الطقس الحار، والوقوف وقتًا طويلًا قد يصل لساعاتٍ كاملةٍ، في مقابل دقيقة أو أقل مع الكاتب، والجماهير التي تتوافد على فنادق إقامة لاعبي كرة القدم في المدن والعواصم، من أجل صورة أو «أوتوجراف»، مألوفة لنا جميعًا.

وبعيدًا عن ظاهرة التفاخر بهذا الفعل، سواءً حضور حفلة موسيقية أم الحصول على توقيع كاتب أم لاعب كرة، ما الذي يدفع البشر نفسيًّا إلى تحمل المشقة وبذل المال والوقت من أجل رؤية المشاهير «لايف»؟

«Imprinting»: كلمة السر.. انتقال السعادة

تخبرنا د. عبير مرعي، مختصة الطب النفسي، أن هناك أسباب كثيرة نفسية تختلف من شخصٍ لآخر، وتدفعه لحضور حفلة غنائية أو الوقوف لساعاتٍ لمقابلة الشخص المشهور الذي يحبه، فعلى سبيل المثال لم يرغب الشخص المنطوي والمنغلق في الذهاب لأي مكان عام أو تجمعات، حتى لو كان سيقابل نجمه أو كاتبه المفضل.

لكن أحد الأسباب العامة التي قد تدفع الآخرين للذهاب إلى تجمعات يلتف فيها الناس حول المشاهير؛ هو «البحث عن السعادة»، فكل جيل يستقي من الجيل الذي سبقه خبراته، ومنذ أن بدأت تجمعات الالتفاف حول المشاهير، تناقل البشر من جيلٍ لجيلٍ، حقيقة أن هذه التجمعات سبب للسعادة.

لماذا نبذل الجهد وننفق الأموال لرؤية المشاهير الذين نحبهم؟

فحضور الحفلات أو أي تجمع آخر يتواجد فيه مشاهير؛ يعزز إفراز الإدرينالين في جسد الحاضرين، ويجعل من هذا الحدث ذكرى يستدعيها الحاضر ليتذكر هذا الإحساس، ولذلك قد تجد صديقك الذي حضر حفلة غنائية لعمرو دياب على سبيل المثال، يتحدث كثيرًا عما فعله عمرو دياب على المسرح.

ليس بالضرورة أن يكون ذلك بهدف التباهي أو التفاخر؛ بقدر ما هو استعادة لتلك الذكرى بغرض تحفيز الإدرينالين مرة أخرى في جسده، لاستعادة هذا الإحساس الحماسي الذي شعر به أثناء الحفلة، وكما قلنا سابقًا؛ يتناقل البشر الخبرات من بعضهم لبعضٍ ومن جيلٍ لجيلٍ في ظاهرة نفسية  – كما أوضحت لنا د. عبير- يطلق عليها «imprinting»  فالشخص الذي يسمعك ويرى تعبيرات وجهك وحماسك بسبب وقوفك أمام شخص مشهور ورؤيته وجهًا لوجه؛ سيريد دون وعي منه أن يخوض تلك التجربة هو الآخر، بغرض اختبار هذا الشعور المسيطر عليك أثناء الحكي.

«ليس مجرد شخص مشهور»

الأغنية التي (بكيت عليها) بعد انتهاء علاقة عاطفية؛ يتحول من يغنيها إلى كتف بكيت عليه في لاوعيك، وكأنه قدَّم لك نوعًا من أنواع التعاطف حتى لو لم تكن تعرفه شخصيًّا؛ فقد أصبح جزءًا من تجربتك. الكتب التي قرأتها في ليالي الوحدة وافتقاد الأصدقاء؛ يتحول مؤلفها إلى صديقٍ مقربٍ لقلبك، وهذا الممثل الذي شاهدت مواسم طويلة من مسلسل له، كانت «ونسًا» لك في ليالٍ سيطر عليها الملل؛ يصبح سببًا في سعادتك وضحكك وعدم تفكيرك في الأشياء السلبية؛ فتبني دون أن تدري رابط عاطفي بينك وبينه.

لذا عندما تعلم أن باستطاعتك الاقتراب من هذا الشخص المشهور أيًّا كانت مهنته، والذي كان جزءًا من تجربتك الشخصية والعاطفية؛ وأنه حتى تراه يجب أن تسافر من بلدٍ لبلدٍ، أو تدفع أموالًا طائلة؛ وقتها – بحسب د. عبير – ستبذل كل ما في وسعك لتقف أمام هذا الشخص، وستخبر بعدها كل من تعرفه أنك رأيته، وستريهم تلك الصورة التي التقطتها معه، وستنشرها على السوشيال ميديا وكأنها صورة لك مع صديقٍ شخصي؛ لأن هذا ما يصدقه عقلك اللاواعي؛ أن هذا الشخص المشهور صديقك بشكلٍ ما، وسبق وأن شاركك لحظة مهمة.

«متلازمة تقديس المشاهير»

توضح لنا د. عبير مرعي، أن ليست كل أنواع الشخصيات تجنح إلى التباهي أو السعي وراء التعامل مع المشاهير أو الاشخاص المهمين في المطلق، وأن الاشخاص الذين يصنفون ضمن «الشخصية النرجسية»، من أكثر الشخصيات التي تسعى لهذا الأمر، حتى لو لم يكن داخلهم حب أو ذكريات مع هذا الشخص المشهور.

مشيرةً إلى أن الشخص النرجسي عندما يذهب إلى مطعمٍ ويواجه مشكلةً ما مثلًا؛ فإنه يرفض التحدث إلا للمدير، لشعوره أنه لا يجوز لشخصٍ مثله التعامل مع من هم أقل من هذه الرتبة الوظيفية لحل المشكلة. على عكس الشخصية التي لديها خوف وقلق من التجمعات أو أن يكون الضوء مسلطًا عليهم؛ فلن يكون لديهم الشجاعة أو القدرة لطلب التصوير معه أو للحديث معه؛ بل سيراقبونه من بعيد.

«متلازمة تقديس المشاهير» أو «Celebrity Worship Syndrome» هي ظاهرة نفسية رصدها علماء  النفس في أمريكا، والتي وضحت أن بعض الناس يطوِّرون علاقةً مرضيةً مع الشخص المشهور الذي كان جزءًا من حياتهم، تلك المتلازمة جعلت من المشاهير «أمرًا مهمًّا».

فمنذ أن بدأ مفهوم الشهرة وحتى وقتنا هذا الذي يساعد في شهرة وانتشار البشر، حتى لو لم يكن لهم موهبة محددة بسبب مواقع التواصل الاجتماعي؛ هناك أشخاص مهووسون بالمشاهير تصرفوا تصرفات صنعة «قدسية» لهذا الشخص المشهور وحول صعوبة الوصول إليها.

مثل النساء التي كانت تبكي لتصعد على المسرح للمطرب الأمريكي الشهير مايكل جاكسون؛ فمشاهدة طفل لهذا الموقف حتى لو لم يكن مهووسًا بمايكل جاكسون؛ وصادف أن رآه في مكانٍ عامٍّ سيسعي لأن يحدِّثه ويلتقط صورةً معه؛ وبهذا يكون قد حقق «إنجازًا» ما، من وجهة نظره وبالتالي وهذا الإنجاز يشعره بالرضا عن النفس، في كل مرة يُظهر فيها الصورة ويعرضها على محبي هذا الشخص المشهور.

والبعض لا يحب أن يشعر أنه منبوذ

عندما تكون هناك ندوة لكاتبٍ مشهورٍ، أو مطربٍ معروفٍ، سيكون هذا الحدث جاذبًا لكل متابعيه، وإذا كان هناك شخص – توضح د. عبير-  لا يتوفر لديه المال أو الوقت أو مكانه ليس قريبًا من الحدث؛ قد يبذل مجهود أكبر ويستعير المال أو يتكبد معاناة كبيرة؛ لا ليرى الشخص المشهور الذي يحبه، بقدر شعوره بالخوف من أن يكون منبوذًا وسط أصدقائه بعد أن ينتهي الحدث.

فمعاناة إنفاق المال والوقت والمسافة قد يكون أمرًا أقل وطأة عليه من التعرض للشعور بالنبذ حين يقابل أصدقاءه ويبدؤون في سرد أحداث هذا اليوم وكم السعادة التي شعروا بها عند رؤية الشخص المشهور.

على جانبٍ آخر؛ هناك بعض المجتمعات التي تعد حضور تلك النوعية من الحفلات ذات الأسعار المبالغ فيها؛ نوعًا من أنواع «الوجاهة الاجتماعية»، وسببًا للتفاخر أمام الآخرين مثل أسعار الساعات الأصلية أو السيارات حديثة الإنتاج.

لايف ستايل

منذ سنتين
«ذي أتلانتك»: مبتكر منبوذ اجتماعيًا.. علم النفس يشرح فوائد أن تكون غريب الأطوار

في النهاية، ما يصنع النجم هو جمهوره؛ فإذا سار نجم مصري في طرقات اليابان ربما لن يكون معروفًا، وهذا يأخذنا إلى متلازمة تقديس المشاهير والتي صنعت قدسية حول كلمة «مشهور» حولها، فهو شخص عانى البعض من أجل الوصول إليه، أو دفع البعض الآخر من أجل لقائه تلك المبالغ الخرافية حتى يقفون وجهًا لوجهٍ أمامه؛ وكل تلك التصرفات التي يُقبل عليها الجماهير؛ هي ما تصنع قدسية ومكانة المشاهير، وربما تفسر هذه الظاهرة!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد