جمع أقارب وأصدقاء الناشط المصري، الشهير وسط عالم التدوين ومعارفه بلقب «التنين البمبي»، علاء عبد الفتاح، مختارات من مقالاته، ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، ومقابلات صحفية معه، في كتاب بعنوان «لم تُهزموا بعد»، والذي صدر باللغة الإنجليزية عن دار نشر «فيتز كارالدو إيديشنز» المستقلة؛ معظم النصوص الموجودة بالكتاب كتبها علاء عبد الفتاح باللغة العربية، ومتاحة عبر الإنترنت، وتتبع كتابتها تسلسلًا زمنيًّا، منذ عام 2011 (عام الثورة المصرية) وحتى الوقت الحاضر، وهي السنوات التي قضى علاء معظمها داخل السجن.

يضم الكتاب 67 عنوانًا داخليًّا، ما بين أراء علاء حول التكنولوجيا، وحلول الروبوت محل الموظف، إلى تاريخ الاضطرابات والانتفاضات العالمية، والصراع في غزة، والتأملات العميقة حول معنى السجن، وأفكار حول المستقبل وأزمة المناخ، ومسلسل «صراع العروش» الذي أحبه، ولقطات من الألم الشخصي، لكن «الألم ثمن ضروري للخلاص»، على حد تعبير علاء.

«اسكن أحلام رفاقك وكوابيس أعدائك»

يعد علاء عبد الفتاح أحد المعتقلين السياسيين الأكثر شهرة في سجون مصر، وكان اسمه في صدارة الأخبار العالمية عن ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي أدت لسقوط الرئيس السابق محمد حسني مبارك، كان لدى علاء تصور واضح لتحقيق أهداف الثورة الممثلة في شعارها: «خبز، حرية، عدالة اجتماعية»، وأطلق بعد الثورة حملة «دعونا نكتب دستورنا»، وهي مبادرة في «الديمقراطية الجماهيرية» مستوحاة من مؤتمر شعوب جنوب أفريقيا لعام 1955، ونشر تفاصيلها عبر مقالاته بصحيفة «الشروق»، ومضمنة في كتابه «لم تُهزموا بعد».

ولد علاء عبد الفتاح لأسرة نشطة سياسيًّا، فدوَّن عن الحقوق والحريات منذ مراهقته، وصار مدونًا ومبرمجًا للكمبيوتر وناشطًا سياسيًّا، لكنه مسجون حاليًا في سجن وادي النطرون بعد أن انتقل إليه مؤخرًا من سجن طرة 2 شديد الحراسة أو ما يعرف بـ «سجن العقرب»، سيئ السمعة بالقاهرة، لقضاء عقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات، بسبب إعادة نشره منشورًا على «فيسبوك» حول انتهاكات لحقوق الإنسان، في عام 2019. 

جرافيتي للمطالبة بالإفراج عن علاء عبد الفتاح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 – مصدر الصورة: فليكر

أضرب علاء عن الطعام مع أول أيام شهر رمضان الماضي والموافق لشهر أبريل (نيسان) 2022، بسبب احتجازه في ظروف غير إنسانية، طوال ثلاث سنوات ونصف مضت في «سجن العقرب»، إذ كان ممنوعًا من القراءة وساعة التريض، ناهيك عن الخروج من الزنزانة للتعرض إلى أشعة الشمس وممنوع حتى من فراش للنوم، مثله مثل باقي المساجين في سجن العقرب.

علاوةً على زيارات قصيرة تحدث عبر طبقتين من الزجاج العازل، دون لحظة من الخصوصية، وضرب وتهديد بأنه لن يغادر السجن أبدًا منذ أن وطأت قدماه «سجن العقرب»، كما لم يُسمح له بالاطلاع على ملف القضية، ولم يُسمح لمحاميي الدفاع عنه بالاستئناف على الحكم أثناء محاكمته بمحكمة طوارئ أمن الدولة، بسبب منشوره على «فيسبوك».

تواجه أسرة علاء عبد الفتاح الآن تعنتًا أمام محاولاتها الإفراج عنه، بعدما حصل علاء على الجنسية البريطانية، في ديسمبر (كانون الأول) 2021؛ فأعلنت الأديبة أهداف سويف، خالة علاء، أن السلطات المصرية منعت القنصلية البريطانية من زيارة علاء، كما منعت «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» من رؤيته.

أعلنت أسرة علاء عبد الفتاح، عن مطالبه التي دخل بسببها إضرابًا كاملًا ومفتوحًا عن الطعام، عبر حساباتهم الشخصية على موقع «فيسبوك» وموقع «الحرية لعلاء-Free Alaa»، بوصفه مواطنًا مصريًّا ومواطنًا بريطانيًّا؛ فطالب علاء بتكليف قاضٍ بالتحقيق في الشكاوى التي قدمها سابقًا، والتي توثق الانتهاكات التي تعرض لها منذ يوم اختطافه في 29 سبتمبر (أيلول) 2019 بعد قضائه ساعات المراقبة الليلية في قسم الشرطة، والسماح للقنصلية البريطانية بزيارته في السجن لرصد وضعه غير الإنساني، وتمكينه من التواصل مع محاميي الأسرة في بريطانيا، حتى يتمكنوا من اتخاذ جميع الإجراءات القانونية، التي قد تمكنه بالخروج من السجن ومن مصر، بحسب ما أعلنت أسرته مرارًا.

«من والدي ورثت زنزانة وحلمًا»

بلغ علاء 30 عامًا بحلول عام 2011، الذي اندلعت فيه ثورة 25 يناير، وكان قد سبق وأن أمضى 45 يومًا في السجن خلال عهد حسني مبارك، لمشاركته في احتجاج للمطالبة باستقلال القضاء، عام 2006، لم يتخيل علاء حتى ذلك الوقت أنه سيعيد مأساة والده المحامي والحقوقي أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، الذي اعتقل أربع مرات في عهد السادات ومبارك.

الربيع العربي

منذ 3 سنوات
أصحاب «الصوت العالي».. قصة أسرة علاء عبد الفتاح التي أزعجت رؤساء مصر

ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2011، كتب علاء مقالًا في صحيفة «الشروق»، وتُرجم للغة الإنجليزية لضمه للكتاب، يصف مهاجمة الجيش المصري للمدنيين المحتجين خارج مبنى الإذاعة والتلفزيون الحكومي (أحداث ماسبيرو)، ووثق ما رآه في مشرحة المستشفى من رصاص وآثار دهس بالدبابات، وأدان تقرير المشرحة الذي لم يحدد أسباب الوفاة. 

تسبب المقال في دخول علاء ثقبًا زمنيًّا لم يخرج منه حتى اليوم؛ فتم استدعاؤه للاستجواب أمام النيابة العسكرية، واتهم بالتجمهر، وسرقة معدات عسكرية، والتعدي على الممتلكات العسكرية، والاعتداء على جندي، وأودع السجن بنهاية أكتوبر 2011.

ولد خالد علاء عبد الفتاح ووالده محبوس احتياطيًّا، بعد استئناف للحكم ضده، ليغيب عن ولادة ابنه مثلما غاب والده عن ولادة أخته منى، إذ رفض القاضي إخلاء سبيل علاء لحضور ولادة طفله الأول والوحيد، لكن زاره وليده بعد ولادته بثلاثة أيام في محبسه، حمله علاء لمدة 10 دقائق، وكتب عن اللقاء مقال «نصف ساعة مع خالد». 

اتصفت كتابات علاء من السجن من بعد ولادة طفله بالعاطفية والحماسية، برغم ارتباط كتاباته آنذاك بالتطورات السياسية الأوسع، والتناغم مع تفاصيلها، واهتمامه بقضايا مستقبلية يصيغ لها حلولًا، لجعل العالم مكانًا أفضل لولده، على حدِّ تعبيره.

أُطلق سراح علاء عبد الفتاح بعد عدة أسابيع من ولادة طفله، وبين عامي 2012 و2013، لم يكتب سوى عددًا قليلًا للغاية من المقالات الطويلة، لكنه علق على احتجاجات الشوارع المصرية والانتخابات البرلمانية والرئاسية والأزمات الدستورية عبر «تويتر»، و«فيسبوك»، وحضر منتديات عامة، وظهر في برامج حوارية وتجمعات سياسية. 

«الحب خالد والحزن خالد والميدان خالد والشهيد خالد والبلد خالد، أما دولتهم فلساعة، ساعة فقط» *علاء عبد الفتاح

يمكنك استرجاع أحداث تلك الفترة من خلال منشورات علاء الواردة في كتابه، والتي اختارتها وضمتها الأسرة والأصدقاء، لإظهارها نموذجًا ومثالًا لهدفه الأول قبل الثورة، من كيفية استخدامه للإنترنت لتطوير المجتمع وتحقيق استقلاليته ودعم المحتوى العربي، فكانت المصادر المفتوحة وسيلته لجمع ونشر المعلومات، ومساحة عامة للنقاش حول يومياته ويوميات الوطن.

صورة تجمع بين علاء وخالد في أبريل 2014

كتب علاء بلا ملل، عن عدة موضوعات شغلت باله في وقتٍ واحدٍ، فصبر على التواصل مع المختلفين عنه، واستحق عنده كل رأي للمشاركة والنقاش، وكأنه حاول خلال تلك الفترة القصيرة التي قضاها خارج السجن أن يثبت لكافة الأطياف المتنازعة في ذلك الوقت أن «الثورة مستمرة». 

رفض علاء الصمت بعد أحداث مجزرة ميدان رابعة العدوية في أغسطس (آب) 2013، وكتب عدة منشورات على «فيسبوك» تحت عناوين، مثل: «فوق صوت المعركة»، و«ما الذي حدث في أبو زعبل؟»، و«أنت تعلم أن القتل كان عشوائيًّا»، وعبَّر عن رفضه لفض اعتصام رابعة العدوية بالقوة لعدد من الصحف المصرية.

لكن الرحايا بعد مجزرة فض رابعة، لم تدر على رقاب الإخوان المسلمين فقط؛ بل أعيد إحياء قانون بريطاني من الحقبة الاستعمارية، يحظر التظاهر؛ فكان شباب ثورة 25 يناير هدفًا، سعت السلطة الحاكمة للقضاء عليه، بعد ثلاثة أشهر من مجزرة فض رابعة وأحداث القبض العشوائي، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، اعتُقل علاء مرةً أخرى، إلى جانب اثنين من مؤسسي «حركة شباب 6 أبريل»، هما أحمد ماهر ومحمد عادل. 

لم يكن خالد قد اعتاد على وجود والده، حتى اعتقل علاء بتهمة التحريض على التظاهر أمام مجلس الشورى،  والذي طالت محاكمته فيها وتعقدت، وخلال عام 2014 جرى إطلاق سراحه لفترة وجيزة، مرتين لمدة شهرين في الربيع وشهر واحد في الخريف، ثم صدر حكم عام 2015، بمعاقبة علاء بالسجن المشدد خمس سنوات، ووضعه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة.

علاء عبد الفتاح: «أستأذنكم النضال»

«كن أنت السؤال ولا تنشغل بعجزك، فالشبح لا يحتاج لحضورٍ مادي ولا تأثير فعلي، عليك فقط أن تتجلى» *علاء عبد الفتاح

تأتي رسائل علاء في عام 2014، معنونة بزنزانته في سجن «ليمان طرة»، وصف علاء خلالها ما مر به في السجن، وقبل صدور الحكم؛ بالتوحد، توحد يعيق التعبير والتواصل، لكنه لا ينفي مشاعر الغضب، لم يكن التوحد وصفًا لحالته وحده، بل سائر المصريين الذين فقدوا قدرتهم على الكلام كي لا يُحل دمهم، والجيل الذي فقد قدرته على الهتاف بسبب قانون منع التظاهر، وعجز شباب الثورة عن فهم مقاصد مؤيدي النظام الجديد الذين لا تزعجهم أصوات الرصاص ولا تؤذيهم صور الشهداء. 

لم يكرر علاء في كتاباته عن تلك الفترة أمرًا مثلما كرر «الاستفهام»، حتى إن القارئ ربما لا يعلم هل أراد منه علاء التوقف والتفكير للحظات، أم أنه -علاء- يجهل حقًّا حجم التهديد الذي يشكله هو على السلطة حتى تقمعه كل تلك السنوات؛ فحتى وإن دعا القارئ لمشاركته أحزانه وأفراحه وغضبه ولومه ويأسه، إلا أنه لم يدع للعصيان أو الثورة على النظام، بقدر ما دعا لثورة على ذاتٍ متوحدة.

التنين البمبي: «فقدت كلماتي»

«ننتظر شهورًا ــ وأحيانًا سنوات ــ حكمًا لا يأتى، من أيدى قضاة يقول لهم القانون إننا بريئون إلى أن تثبت إدانتنا، ويقول لهم الدستور إن حريتنا وحقوقنا لا تقيد إلا بحكم قضائى ولكنهم لا يسمعون، فيستمر حبسنا، ولا تنتهى قضايانا وينسانا العالم الممتد خلف الأسوار» *علاء عبد الفتاح

لم يكن لدى علاء شيئًا ليقوله طوال عام 2015، مرت شهور منذ أن كتب خطابًا، وأكثر من عام منذ أن كتب مقالًا، لا آمال لديه، ولا أحلام، ولا مخاوف، ولا رؤى، منذ أن أدرك هزيمة الثورة. تختفي مصر والثورة تدريجيًّا من كتابات علاء، ليكتب عن التحولات الاقتصادية في عصر الثورة الرقمية، عن شركة «أوبر»، و«وادي السيليكون»، والتكنولوجيا بوصفه رأس مال، ليعود في عام 2017 بمقال «صورة للناشط خارج محبسه»، في خطابٍ، أو مراجعة، أو اعتراف بالهزيمة دون ضغط على جروحٍ لم تندمل. 

Embed from Getty Images

لم يكتب علاء حتى الإفراج المشروط عنه في مارس (آذار) 2019، ولم يعد الشخص الذي كانه، تظهر فلسفة علاء عبد الفتاح وبلاغته خلال سرده عن تلك الفترة كلما اتحدت مآسيه الخاصة والعامة بمرور الأعوام، لكن يتصدع يقينه بشأن المستقبل كل عام؛ مستقبله كأب يضطر يوميًّا لترك طفله في آخر كل نهار، لإثبات حضوره كل ليلة في قسم الشرطة، ومخاوف من أن يقضي عقوبته، ليخرج منها عاطلًا، متخلفًا عن مجاله بعقد كامل؛ لكن هذا القلق، لم يدم؛ إذ أُلقي القبض على علاء بجوار قسم الشرطة الذي يقضي فيه فترة المراقبة يوميًّا، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات دون محاكمة بتهمة «نشر أخبار كاذبة تقوِّض الأمن القومي».

تعيش أسرة علاء عبد الفتاح «مأساة إغريقية»، مثلما وصفتها شقيقته منى؛ إذ قضى علاء معظم العقد الماضي مسجونًا، ففقد والده، وسُجنت أخته الصغرى سناء، وتوفي زملاؤه في السجن إثر الظلم وانتهاك الحقوق، وتوقف حتى عن رؤية طفله الذي أتم 10 أعوام بسبب قسوة أجواء الزيارات، وتابع من خلف القضبان الثورة المصرية وهي تفقد مسارها، ولم يعد هناك جبهة موحدة للمؤمنين بأهدافها، لكنه لا يزال يكتب عن مساراتٍ لحل الأزمة.

لا تتملك القارئ مشاعر الحزن بعد قراءة بعض خواطر من ذاكرة مناضل سجين، فليس الحزن هدفًا مما كتبه علاء عبد الفتاح، وجمعه وترجمه مجهولون من أسرته وأصدقائه، لكنه خطاب مرسل من داخل السجن لأولئك الذين يتمتعون بحرية وقدرة على رفض أوضاعهم، بأنهم «لم يُهزموا بعد»؛ حتى إن القارئ ستتملكه مشاعر الشك فيما إذا كان هو المقصود من عنوان الكتاب، وأن الرسالة له: «أنت لم تُهزم بعد»، أم  أن العنوان «لم تُهزموا بعد»؛ في سخرية مَن يختار بين الموت بكرامة أو العيش حرًّا، ممن قد هُزموا بالفعل.

قصة إنسان

منذ 3 سنوات
علاء عبد الفتاح.. ماذا فعلت ليالي السجن الطويلة في «التنين البمبي»؟

المصادر

تحميل المزيد