«يعد القزويني المتوفي سنة 1283، والملقب ببليني المشارقة، من أشهر علماء التاريخ الطبيعي بين العرب. وتعتمد طريقة القزويني في الوصف على الخصوص، كما صنع بوفون بعده». جوستاف لوبون، كتاب حضارة العرب.

يُلقبه البعض بـ«هيرودتس القرون الوسطى»، والبعض الآخر بـ«بليني العرب»، ويعد أحد الشخصيات البارزة التي ظهرت خلال القرن الثالث عشر الميلادي، والذي ساهم في إثراء التراث العلمي العربي، وتميز بمواهب كثيرة. إنه العالم العربي عماد الدين أبو يحيى زكريا بن محمد بن محمود القزويني، أحد أبرز العلماء والمؤرخين العرب في تلك الحقبة. فما هي قصة هذا العالم؟ وما هي أبرز إسهاماته ومؤلفاته؟

من قزوين الإيرانية إلى دمشق وبغداد

«لم يقم التاريخ الطبيعي عند العرب في البداية سوى على شرح مؤلفات أرسطو، ولكن العرب لم يلبثوا أن فضلوا دراسته في الطبيعة على درسه في الكتب. وللعرب الفضل فيما وضعوا من الكتب الممتعة الكثيرة في الحيوانات، والنباتات، والمعادن، والمتحجرات… إلخ». جوستاف لوبون، كتاب حضارة العرب

ولد القزويني عام 1208م في منطقة قزوين بين رشت وطهران. وهو حجازى الأصل، سليل بيت من بيوت الأنصار؛ إذ يتصل نسبه إلى الصحابي أنس بن مالك. وقد قضى في قزوين التي ارتحل إليها أهله منذ زمن طويل شطرًا من طفولته وصباه، ثم غادرها إلى دمشق، وأقام بها فترة من حياته، وتأثر خلال إقامته تلك بالصوفي الشهير محيي الدين بن عربي.

وفيما بعد، ارتحل القزويني إلى العراق بعد أن أصبح ضليعًا بالفقه، وهناك تولى القضاء في واسط والحلة بالعراق، في عهد الخليفة العباسي المستعصم. بالإضافة إلى ذلك اشتغل القزويني بالتدريس في المدرسة الشرابية بمدينة واسط في العراق، قبل سقوط بغداد على يد التتار سنة عام 1258م. وقد أمضى معظم سنوات حياته وعمله بين بغداد ودمشق، وعاصر في حياته أهم الأحداث التي مرت في التاريخ الإسلامي، مثل: صعود المغول، وتدمير بغداد، ومعركة عين جالوت، وسقوط أشبيلية، حيث لم يبق في يد العرب بالأندلس سوى مدينة غرناطة.

ولكن عمل القزويني في القضاء والتدريس لم يلهه عن القراءة والتأليف في الحقول العلمية المختلفة؛ فقد غلب عليه الاهتمام بالجغرافيا، والفلك، والتاريخ الطبيعي، والخوارق والحوادث الغريبة، وشُغف بالطبيعة، وعلوم الحياة. ومع أن القزويني عمل على دراسة مختلف العلوم، إلا أن أعظم أعماله شأنًا هي نظرياته في علم الرصد الجوي، والفلك.

السلطان سليم الأول.. الشاب «الصارم» الذي غيّر تاريخ العالم العربي

العالِم الموسوعي.. إسهامات القزويني في العلوم المختلفة

يُعد القزويني أحد رواد علم الفلك والرصد الجوي؛ إذ إنه أول من صنف النجوم لمعرفة الوقت، ووضع بنظرياته اللبنة الأولى لعلم الأنواء، الذي يعرف حاليًا بالأرصاد الجوية. وهو أول من تكلم عن تصنيف النجوم حسب ألوانها، والحركة الظاهرية للكواكب، وكيفية معرفة الوقت، وأنواع الرياح والسحب وكيفية تكوينها، وأسباب نزول المطر على هيئة قطرات. وقد خصص القزويني القسم الأول من كتابه «عجائب المخلوقات» لعلم الفلك والنجوم، وتحدث عن الزمان والتقاويم العربية، والرومية، والفارسية، وما يرتبط بها من أعياد ومناسبات.

وتحدث في كتابه أيضًا عن الجغرافية الطبيعية، ومنها المناخ والطبقات الجوية، وتكوين الغيوم والأمطار، وحدوث الرياح واتجاهاتها وفوائدها. وتناول كذلك توزيع اليابس والماء على الأرض، وتوزيع الحرارة والأقاليم الحرارية عليها، ثم بين علاقة ارتفاع الحرارة في المناطق الاستوائية واشتداد البرد في المناطق القطبية بالإنسان والحيوان والنبات. وقد تحدث بصورة مفصّلة عن الجبال والأنهار والعيون والآبار في العالم التي كانت معروفة في زمنه، ثم عن أسباب تكوينها، وعلّل ذلك بأسباب طبيعية وجيولوجية.

صفحة من كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات». المصدر: مكتبة قطر الرقمية

وكان للقزويني أفكار ونظريات علمية جيولوجية، صارت متداولة بين علماء الغرب، وهزت العالم الجيولوجي تشارلز لايل؛ فوضعها في مقدمة كتابه «مبادئ الجيولوجيا» عام 1830م. كذلك أشاد الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون بإنجازات القزويني في مجال علم الأرض بقوله: «وشاعت نظرية تطورات وجه الأرض بتنقل البحار، وتحول شكل الأرض، بين العرب شيوعًا تدخل به في أذهان الشعب كما نعلم ذلك من كتاب العالم الطبيعي القزويني». في كتابه «حضارة العرب».

فضلًا عن ذلك كانت للقزويني إسهامات جليلة في علوم التاريخ، والطب والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء، والعلوم الطبيعية، وعلم النفس، وعلم النبات والحيوان، وفن الرسم والتصوير. وقد كانت لترجمة مؤلفاته إلى اللغات الأوربية الفضل في تطور الدول الغربية في صناعة الأسطرلاب. كذلك كانت القبائل البدوية وأهل الصحراء يعتمدون على مؤلفات القزوينى لتحديد سرعة الرياح، وتكوين المطر، ومعرفة الفصول الأربعة؛ حرصًا على زراعتهم وأغنامهم.

حِسّ العالم ورهافة الأديب.. «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

«اسع إلى القضاء فأنت أهل له، واكتب يومًا ما عرفته لكل الناس، لا للصفوة وحدهم. واجمع فيما تكتبه بين ما عرفته وعقائد دينك، في الحياة وفي الكون، وراع الله والحق في كل ما تكتبه يا بني، فالكلمة تبقى من بعدك بخيرها وشرها، أو فالزم الصمت». جزء من وصية والد القزويني إليه.

كان القزويني كثير التأمل والتفكير، ويحكى أن والده صحبه في صغره في رحلة طويلة لزيارة الموانئ المطلة على بحر الخزر في أواسط آسيا، والتي افتتن فيها القزويني الطفل بذلك التنوع الثقافي، وسحرته حكايات البحر. ومع اقتراب المغول وهجرة أسرته إلى بغداد، ورغم تحصيله المعارف التي تؤهله للعمل في القضاء، إلا أن القزويني الشاب شعر بميل إلى تأليف كتاب يغاير المطروح في زمنه.

واستأذن والده في رحلة استغرقت 10 سنوات، سافر فيها من بغداد إلى تخوم الصين، وزار الجزيرة العربية، وبلاد الشام ومصر، وامتزجت فيها روح الرحالة مع حس العالِم. وبعد عودته إلى بغداد عمل في القضاء، وتزوج، وظل 15 عامًا يقرأ المزيد والمزيد في صنوف المعرفة. وقتها كانت الحضارة العربية الإسلامية قد وصلت آنذاك إلى الذروة في التأليف والإضافة إلى علوم السابقين، وكان القزويني قد قرأ لأرسطو، وبطليموس، والبيروني، وابن سينا، والفارابي، ثم اتخذ قراره ليجوب الآفاق ويتعرف على أرجاء خراسان، وأفغانستان، وديار الترك، وخوارزم، وأرمينيا، وأذربيجان.

وفي رحلته رأى الكثير من أعاجيب الأرض في البر والبحر، وألوانًا من المعادن، وأنواعًا شتى من النباتات، والحيوانات، والطيور، وأجناسًا مختلفة من البشر؛ ليصدر كتابه المتفرد «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»، الذي يُعد أشهر مؤلفات القزويني والذي وصف فيه الكون وما به من كواكب، وأبراج، وحركتها وتأثيرها على الأرض، ويحوي الكثير من الوقائع الغريبة والخوارق.

يعد «عجائب المخلوقات» أشبه بموسوعة علمية جغرافية طبيعية، تحاول أن تنقل إلى قارئها مقدارًا ضخمًا من المعلومات، بعضها عرفه المؤلف بالتجربة أو بالمعرفة العقلية، وبعضها وصله بالاستناد إلى مرويات الكثير من الشعوب والحضارات. وبذلك؛ يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل ذروة ما بلغته معرفة الإنسان بشؤون الطبيعة وأحوالها ومخلوقاتها في زمن القزويني، إلى جانب كونه يمثل نوعًا من التأمل في نظرة الإنسان لما يعرفه عن الطبيعة، وبما يجهله أيضًا من خفاياها.

وينقسم الكتاب إلى مقدمة تحوي تصنيفًا عامًا لجميع الموجودات وفق النمط اليوناني، ثم قسمين عن العالمين العلوي والسفلي. ويتناول القسم الأول الذي يبحث في العالم العلوي، الحديث عن الأجرام السماوية: الشمس، والقمر، والنجوم، وسكان هذا العالم: أي الملائكة، وكذلك التقاويم العربية والسريانية، وما يرتبط بها من أعياد ومناسبات. أما القسم الثاني فقد خصصه لذكر الأرض وظواهرها، والعناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب، ويصف فيه تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم، مع بيان أسباب الزلازل، وتكوين الجبال، ونشأة الأنهار، والمنابع، والعيون.

ويلي ذلك عرض لممالك الطبيعة الثلاث: المعدنية، والنباتية، والحيوانية، وتبدأ المملكة الأخيرة بالحديث عن الإنسان، وخصائصه الأخلاقية، وتشريحه، وتركيبه العضوي، ومميزات الشعوب المختلفة، وحديث عن المخلوقات الأخرى من الجن، والغيلان، والعنقاء، وغيرها. ويتضمن الكتاب أيضًا موضوعات تتعلق بالبحر الأحمر، والتأثيرات التي يخضع لها من جوّية وبحريّة، وتتعرض لها السفن الجارية في عرض البحر. كذلك يتطرق إلى الطيور المدرّبة والمستخدمة في عمليات الصيد، ويعدد بعض أنواعها كالطغرل، والباز، والزرق، والباشق.

ويتجلى في كتابه عجائب المخلوقات، حس العالم المتطلع إلى المستقبل، فيروي القزويني أن الأرض كروية، وليست شكلًا مربعًا، أو أسطوانيًا، أو مسطحًا، كما كان سائدًا في عصره، والدليل على ذلك أنّ خسوف القمر يُرى من بلدان مختلفة، لكنه لا يُرى فيها كلها في وقت واحد، بل في أوقات متعاقبة، مما يعني أن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة، واستدل على ذلك من آية في القرآن الكريم: «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (سورة الزمر)».

موضحًا أنها تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق، والمخلوقات عليها منجذبون إليها بقوة الجذب، وقوة الدوران معًا، وليست ثابتة في مركز الكون كما قال بطليموس. ويتطرق كذلك إلى ما في أعماق الأرض من طبقات وأبخرة وغازات ومعادن، ولماذا تتغير طبيعة الأرض كل عدة آلاف من السنوات.

ويحيط بكل ذلك الحكايات الشعبية مع حس ديني قوي يعتمد على محاولة الاجتهاد مع الآيات القرآنية، وأسلوب غني بالصور والأخيلة الأدبية. وفي الكتاب كذلك روح المؤرخ المهموم الذي يريد تلخيص معارف عصره لحفظها في زمن اتسم باللحظات التاريخية المريرة والتقلبات التي بدت مهددة للحضارة العربية الإسلامية.

القزويني «الكوزموجرافي» ومبسط العلوم للجمهور

جعل هذا التنوّع في الموضوعات التي تناولها القزويني في كتابه بعض الباحثين والعلماء يعدّونه أكبر كوزموجرافي (عالم وصف الكون)، ومبسّطًا للعلوم من أجل الجمهور، وأن كوزموجرافيا القزويني هي أهم أثر أنتجه كاتب عربي في العصور الوسطى. وكثيرًا ما شبهه العلماء بالمؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي يُعرف بأبي علم التاريخ، وبليني الكبير الكاتب الروماني الموسوعي الذي ألف موسوعة التاريخ الطبيعي.

ومن أهم كتب القزويني إلى جانب «عجائب المخلوقات» كتاب «آثار البلاد وأخبار العباد»، الذي يعرف أيضًا باسم «عجائب البلدان». كذلك، يتميز الكتاب بالطابع الجغرافي الذي يقوم على وصف الأرض، وتقسيمها إلى سبعة أقاليم، وما يحتويه كل إقليم من مدن، وجبال، وجزر، وبحيرات، وأنهار، إضافة إلى بعض التفاصيل التاريخية، وسير مشاهير الرجال في مختلف أماكن الإقليم.

وقد تضمّن ثلاث مقدمات: الأولى: عن الحاجة إلى إنشاء المدن والقرى. والثانية: في خواص البلاد، وتأثير البيئة على السكان، والمعادن، والنبات، والحيوان. والثالثة: عرض فيها لأقاليم الأرض المعروفة آنذاك، وخصائص كل منها. فضلًا عن ذلك يضم الكتاب أخبار الأمم، وتراجم العلماء والأدباء والسلاطين، وأوصاف الزوابع، والتنين الطائر، أو نافورة الماء، وغير ذلك.
وتحدث القزويني أيضًا عن مشاهداته الشخصية في بلاد الشام والعراق، وما سمعه أو اقتبسه أو اطلع عليه من كتب، مثل كتاب «المقتبس من أخبار الأندلس» لابن حيّان القرطبي، وكتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لابن بسام الشنتريني. كذلك استفاد من أخبار الرحالة مثل رحلة أبي دلف الخزرجي إلى الصين والهند. وقد نشر المستشرق الألماني فرديناند فوستنفلد الكتاب بقسميه في النصف الثاني من القرن 19 الميلادي.

وقد زينت كتب القزويني بالتصاوير، وزودت لا بأشكال وجداول فلكية فحسب، بل أيضًا بالرسومات الصغيرة. كذلك تحتوي مخطوطات القزويني على خريطة مستديرة للعالم. وبعد حياته الحافلة بالتأمل والاستكشاف، والبحث والتأليف، رحل القزويني عن عالمنا عام 1283م تاركًا لنا إرثًا ثمينًا من العلم والمعرفة.

موسى بن ميمون.. أن تكون يهوديًّا في دولة الخلافة الإسلامية

المصادر

تحميل المزيد